الصناعة التي لا تخسر أبدًا

بقلم – صَالِح الرِّيمِي
صحيفة بصمة اون لاين
من أرقى الصناعات الإنسانية هي صناعةُ المعروف، لا تقوم على أدواتٍ ولا تُبنى داخل مصانع، ولا تحتاج إلى أيدٍ عاملة بقدر ما تحتاج إلى قلبٍ حيّ، تحتاج فقط روحٌ نقية ترى في إسعاد الآخرين غاية، وتسعى إليه وكأنها تصنع لنفسها خلودًا لا يُرى. فالمعروف ليس فعلًا عابرًا، بل أثرٌ يبقى، وذكرٌ يُزرع، وحياةٌ تُهدى للآخرين دون أن تنقص من صاحبها شيئًا ..
في قريةٍ صغيرة، كان هناك رجلٌ بسيط يُعرف بين الناس بصانع الأشياء، لم يكن يملك متجرًا، ولا أدواتٍ لافتة، ومع ذلك كان الجميع يقصدونه، تعجّب أحد الغرباء يومًا وسأله: ماذا تصنع؟ لا أرى لديك شيئًا! ابتسم الرجل وقال: أنا أصنع ما لا يُرى، لم يفهم الغريب، فقرر أن يراقبه.
في الصباح، رآه يساعد شيخًا على عبور الطريق، وفي الظهيرة، يترك كيس طعامٍ أمام باب أسرةٍ محتاجة دون أن يُعرّف بنفسه، وفي المساء، يجلس بجوار شابٍ حزين، يستمع إليه حتى هدأت نفسه، مرّت الأيام، ولاحظ الغريب شيئًا غريبًا: الوجوه في تلك القرية أكثر هدوءًا، والقلوب أقرب، والناس يتعاملون بلطفٍ غير معتاد، عاد إلى الرجل وقال: “الآن فهمت أنت لا تصنع أشياء، أنت تصنع أثرًا، فابتسم الرجل بهدوء وقال: “بل أصنع المعروف وهو الشيء الوحيد الذي إن زرعته في قلب غيرك، نبت في قلبك أنت أيضًا ..
من أرقى ما يبدعه الإنسان في هذه الحياة ليس ما تصنعه يداه من أدوات، ولا ما تشيّده الحضارة من مصانع، بل ما يصنعه قلبه من أثرٍ طيب في حياة الآخرين، ولعل من أسمى هذه الصناعات الإنسانية وأبقاها أثرًا: صناعة المعروف تلك الصناعة التي لا تحتاج إلى رأس مال، ولا إلى مهارات تقنية معقّدة، ولا حتى إلى بيئة عمل خاصة، بل يكفيها قلبٌ حيّ وروحٌ نقية تُحب الخير وتسعى إليه بصدق.
إن المعروف ليس مجرد فعل عابر يؤديه الإنسان ثم يمضي، بل هو قيمة إنسانية عميقة تعكس ما في الداخل من صفاء ونُبل، فحين يمدّ الإنسان يد العون، أو يواسي مهمومًا، أو يرسم ابتسامة على وجه متعب، فإنه في الحقيقة ينسج خيوط أثرٍ لا يُرى، لكنه يبقى ممتدًا في القلوب والذاكرة، وهذه الأفعال البسيطة في ظاهرها، العظيمة في معناها، والتي تُعيد تشكيل العالم بطريقة أكثر رحمة وإنسانية ..
وما يميز صناعة المعروف أنها متاحة للجميع؛ لا يحتكرها غنيّ بماله، ولا قويّ بسلطته، بل قد يتفوّق فيها من لا يملك إلا كلمة طيبة أو موقفًا صادقًا ونبيلًا، فكم من كلمة رفعت معنويات إنسانٍ كاد أن ينكسر، وكم من لفتة صغيرة كانت سببًا في تغيير يومٍ كامل، بل ربما حياة كاملة.
ترويقة:
إن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما جمعه، بل ما قدّمه، فالمعروف لا يضيع، بل يتحوّل إلى أثرٍ باقٍ، وذكرٍ طيب، وربما دعوة صادقة في ظهر الغيب، تلك في حقيقتها، وهي الصناعة الوحيدة التي لا تخسر أبدًا .
والإنسان حين يعطي، لا يمنح الآخرين فقط، بل يمنح نفسه معنى أعمق للحياة، وهنا تتجلّى عظمة هذه الصناعة: في بساطتها، وفي قدرتها على إحداث فرقٍ حقيقي دون ضجيج.
ومضة:
صنع المعروف من الأعمال التي حضنا عليها ديننا الكريم كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك).
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك

- حوار الوعي… عندما يلتقي الإعلام بالمسؤولية
- نائب أمير منطقة جازان يدشّن مجمع “إفاء” الطبي بمحافظة العارضة
- سمو أمير منطقة جازان يدشّن حملة الأسبوع العالمي للتحصين تحت شعار “اللقاحات تحمي كل الأجيال”
- حـين يكتب السعوديون مجدهم في السماء
- شراكةٌ تصنع الحياة.. أمانة جازان و«نمق» يرسمان ملامح التنمية والمسؤولية المجتمعية



