دورة – السلوك الإيجابي تعريفه – صفاته – نماذج قرآنية خالدة

د/ شومه محمد مساعد الفاضلي البلوي
أستاذ البلاغة والنقد المساعد بجامعة تبوك – قسم اللغة العربية
1435هـ – 2014 م
صحيفة بصمة اون لاين
هدف الدورة
الحمد لله الذي أنزل أعظم المعجزات على رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – فخصه بكتاب أنزله بأفصح لسان, وصلاة وسلاماً على سيد الخلق أجمعين , محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ….
يتعرض الإنسان في القرن الحالي لسلسلة طويلة من مشكلات الحياة الضاغطة , يمر بها يومياً نتيجة لضغوط شتى تلاحقه بسبب التغيرات السريعة المتلاحقة من تقدم وتطور هائل , لا يستطيع مواكبتها وملاحقتها , فيشعر بالعجز والإحباط , ويعيش في صراع ما بين ما هو فيه وبين ما يحدث حوله من مواقف ضاغطة نتيجة لمشكلات شخصية وأسرية ومدرسية وأكاديمية ومهنية , تتضمن أحداثاً قد تنطوي على الكثير من التوتر والقلق في شتى مجالات الحياة المختلفة , وهي لا تقف عند جنس أو عمر أو مستوى معين, وينعكس ذلك على أدائه وحياته , وهذا يتطلب أن يكون الفرد ذا شخصية إيجابية قادراً على التخطيط لمواجهة ما يقابله من تحديات , واثقآ من نفسه في اتخاذ القرار مهما واجه من مواقف وضغوط .
فمفهوم السلوك الإيجابي ” هو السلوك الذي يلقي التقدير في مجمتع الفرد ويتمثل في مساعدة الآخرين ،التدخل لإنقاذ حياة شخص . التعاون مع الآخرين , وهذه السلوكيات تؤدي اختيارياً ودون فرض إجباري” إضافة إلى الصبر والتفاؤل وغيرها من الصفات التي تبث الأمن والطمأنينة في النفوس .
وبما أن البشر هم الاستثمار الحقيقي في الوجود , فقد اهتم الكثير من علماء النفس , والتربية والاجتماع , والمتخصصين في كافة مجالات العلوم الإنسانية المختلفة بدراسة الضغوط , وكيفية مواجهة الحياة الضاغطة وعلاقتها بمتغيرات الشخصية .
ومن ثمة أصبحت الحاجة ماسة إلى بث الطمأنينة والتفاؤل والرضا في نفوس الناس , وتحصينهم ضد اليأس , والإحباط والتشاؤم والتسخط نتيجة ضغوط الحياة , ولا يكون ذلك إلامن خلال توجيه المعلمين والمربيين والآباء في القيام والسعي إلى تنشئة أجيال جديدة تتميز بشخصيات إيجابية قادرة على مواجهة التحديات وضغوط الحياة .
وقد أشارت الدراسات إلى أن السلوك الإيجابي له سمات هامة وضرورية للحياة الأكثر اتزاناً . فالشخصية الإيجابية لها سمات وأشكال تجعلها أكثر قبولاً , وتفاؤلاً واستحساناً في المجتمع الذي تعيش فيه .
وقد وضع ” بيترلوستر ” هذه السمات من خلال قياس سمات الشخصية التي اختار منها بعض السمات والذي قام بترجمتها للعربية ” منير حسن جمال ” من خلال دراسة له يرى فيها أنها محدد جيد للشخصية الإيجابية التي تلقى استحساناً وقبولاً في المجتمع وهي تتصف بالخصائص التالية :
- أكثر ثقة بالنفس من خلال تأكيد الذات , والثقة بنفسه ,وليس قلقاً عما لدى الآخرين من انطباعات عنه .
- أكثر تفاؤلاً أي لديه ثقة عالية جداً , في مواجه مشاكل الحياة ومتفتح تماماً على الآخرين وذو اتجاه إيجابي تجاه الحياة .
- أكثر حرصاً وحذراً أي ينشد الأمان وخاصة في التعامل مع الآخرين .
- أكثر استقلالاً فيتصرف وفقاً لرغباته ولا يهتم بما يتوقعه الآخرون منه .
- الشعور بالإيثار تجاه الآخرين أي يجعل مصالحه الشخصية آخر شيء يفكر فيه .
- القدرة على الحكم الاجتماعي وفهم الطبيعة الإنسانية .
- القدرة على تحمل الضغوط بأعصاب قوية في مختلف المواقف .
- الاتصاف بالطموح يزيد إحساسه بقيمته من خلال إنجازاته واعتراف الآخرين به .
- الاتصاف بالتعاطف الاجتماعي أي يضع نفسه موضع الآخرين ويتخيل ردود أفعالهم في المواقف الاجتماعية مما يجعله أكثر تعاطفاً وفهماً لتصرفات الآخرين .
- القدرة على تحمل آراء الآخرين مهما كانت متطرفة بل يكون لديه عقلية متفتحة تتقبل الآراء والأفكار والاتجاهات الجديدة .
هذه إشارة موجزة إلى أهم السمات التي يتميز بها ذو الشخصية الإيجابية .
نماذج خالدة:
المتأمل لكتاب الله – تعالى – يجد أن سمات هذا السلوك الإيجابي بمفهومه الشامل الكامل قد رسمه القرآن الكريم في شخصيات إيجابية استطاعت بسماتها أن تضرب أروع الأمثلة في أعلى درجات السلوك الإيجابي .
شخصية إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيلفي قوله تعالى (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين )
يتجه إبراهيم _ عليه السلام _ إلى ربه ضارعاً متوسلاً منيباً يسأله الذرية الصالحة التي تعوضه عن كدر الأيام , ومرارة الفراق , فيستجيب له خالقه – سبحانه – فيهبه إسماعيل – سبحانه وتعالى – على كبر فتقر به عينه , وتشرف به نفسه فيبلغ معه السعي ويرافقه في مهماته وأعماله , ثم يأتي الأمر الإلهي ابتلاء لقلب محب تعلق بالله ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) فـ ” نسمع من الحوار نغمة فريدة لا نسمعها في أي بيان بشري مهما علا … إنها نغمة البيان الإلهي حين يعزف على أوتار قلب أب متعلق بابنه لكنه واثق من ربه . وقد أراد إبراهيم – عليه السلام – نقل الطاعة والثقة بالله إلى ابنه ليتذوق حلاوة الإيمان والتضحية ” (2).
بهذا النداء الأبوي الحاني يفتح الأب أمامنا آفاق حوار إيماني هادئ في أوج بلاء يتعرض له الأب مع ابنه . ومع ذلك يخاطب النبي الأب ابنه إسماعيل – عليه السلام – بكل حب وبرفق ومودة وطاعة ( يا بني ) وبكل التوكيد ( إني أرى ) ؛ ليدل على أن هذه الرؤيا ملازمة له , وهي ملحة بعد أن أيقن إبراهيم – عليه السلام – بأن الرؤيا هي إياها لا تتبدل ولا تتغير , وحين يجيء التعبير عنها بصيغة المضارع ( أرى ) فمعنى ذلك ألا مفر ولا مناص من الانصياع والتنفيذ.
ثم تأمل معي بعد ذلك سياق الحوار التالي مع الابن , والأب يعرض عليه أمر الذبح الإلهي فبكل هدوء , وبنغمة تأخذ بالألباب والعقول يقول له الأب : ( فانظر ماذا ترى ) نظرة تأمل وتعمق . يقول أبو السعود ” فانظر من الرأي وإنما شاوره وهو أمر محتوم ؛ ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله – تعالى – فيثبت قدمه إن جزع , ويأمن عليه إن سلم , وليوطن نفسه عليه
(2) الحوار القرآني بين التفسير والتبصير , أحمد سنبل : 509 دار ابن هاني – دمشق .
______________________
فيهون ويكتسب المثوبة عليه بالانقياد له قبل نزوله ” (1) ذلك هو رد فعل الأب أمام أمر الله بذبح فلذة كبده فماهو رد فعل الابن (قال ياأبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين “.
فمنها هذاالحوار الهادئ من الأب لابد أن يكون له ثماره فهذا إبراهيم –عليه السلام-الذي يحب ابنه الذي وهبه الله –عزوجل-إياه على الكبر يجد أن الابن يطرق برهة ثم يجيب (قال ياأبت افعل ماتؤمر ).
ف”مازلنا نشعر بطعم غريب للحوار هو مزيج من الرعشة والطاعة والحنو والصبروالتضحية والتسليم والإيمان :ياأبت افعل ماتؤمر …فامض لما أمرك الله من ذبحي …نفذ ياأبي …أنه أمر الله..نفذ واضرب بعاطفة الأبوة التي ترتعش في صدرك فأنت أمام أمر الله…نفذ وستجدني بعون الله من الصابرين …نفذفأنا رسول الله إسماعيل …وأنت نبي الله إبراهيم …إنها الرسالة ياأبي …إنه أمر نفذ” (1)
وعلى الرغم مما يحمله الفعل (فانظر)من الإمهال ،وإعطاء الفرصة للتفكير إلاأن الابن الحليم قد سارع وأدرك بإيمانه ألا خيار أمامه إزاء هذا الأمر الإلهي .فكما تقرب إليه أبوه وتودد استجاب الابن وتقرب ولم يفزعه الأمر ..لك أن تفعل ماتؤمر من ذبح وغيره ؛لأن الأمر ليس بيدك فجاءت الصيغة هنا مبنية للمجهول ؛لتبين أن إسماعيل –عليه السلام-قد أدرك أن المشيئة ليست مشيئة والده إنه يؤمر وبعد ذلك يعقب إذا ماجاء وقت الفعل فإنك ياأبت سوف تكتشف أنني من الصابرين .وقوله :(إن شاء الله)؛
لأن الأمر بالذبح تجزع منه النفوس ،وتضطرب له القلوب فخشي إسماعيل –عليه السلام-أن تخور قواه فيجزع فاحتاط للأمر ب”إن”قال ابن عباس:”فلما عزم أبراهيم –عليه السلام- على ذبح ولده ، ورماه على شقه قال :ياابت اشدد رباطي كيلا اضطرب ،
واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه امي فتحزن, و أحد شفرتك و أسرع مداها على حلقي , ليكون أهون فإن الموت شديد , وأقرأ على أمي سلامي , وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها, فقال : إبراهيم – عليه السلام – نعم العون أنت يا بني على أمر الله ,
ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه , وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال : كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة , وقد تحول بينك وبين أمر الله – تعالى – ففعل ثم وضع السكين علي قفاه فانقلبت السكين “(2)
(( وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم)) سورة الصافات 104-107
فكان من ثمرات هذا الحوار الهادئ الراقي الودود بين الابن و أبيه الطاعة و الاستسلام في أرقى مقاييسها , و أروع صورها, فإن الطفل حين يتربى منذ صغره على العقيدة الربانية محاسبة و مراقبة وينغرس في وجدانياته الإيمان بالله ,والاستعانة به ،واللجوء إليه ،والخشية منه ،والاعتماد عليه
في كل مراحل الحياة , وأطوارها المختلفة تترك أثرها في نفسه, وفي سلوكه , وفي معاملته , وعندئذ ينصلح أمره , وتستقيم أخلاقه , “فإن الحوار الذي دار بين إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – يمثل لنا الحالة النفسية التي استقبل فيها إبراهيم أمر ربه , واستقبل بها إسماعيل طلب أبيه “أنها تجسِّد لنا الهدوء الرسالي الذي يستقبل فيه الرسل إرادة الله في خضوع و رضا واستسلام كنموذج فريد من الانسجام في موقف الإنسان الرسول ,
و الإنسان المؤمن ,بين ما يؤمن به من عقيدة , وبين ما يقوم به من عمل , ليدلل على أن الرسل لا يتحدثون عن التضحية في سبيل الله , من خلال التفكير النظري الذي لا يلتقي بتجاربهم الحياتية بل يندفعون فيه من ممارسة عنيفة تهز كل كيانهم في إطار التجربة الرسالية الرائدة” (1) .
شخصية يوسف عليه السلام:
إنها شخصية ” الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليه ا لسلام ” رواه البخاري في صحيحه .
إذ نجد في الخطاب النبوي الشريف أسلوب (التكرار)في قوله :(الكريم ابن الكريم)فقدتكرر لفظ (الكريم )أربع مرات في حين نجد اللفظ في (ابن)تكرر ثلاث مرات ،وفي ذلك تأكيد على مكانة يوسف (عليه السلام)وقد أحدث التكرار إيقاعآ بلاغيآ على المستويين الجمالي والدلالي.
وقد ظهرالإعجاز في سورة ” يوسف ” عليه السلام أول ما ظهر في البداية الكريمة ” الر ” في تلك الحروف المتقطعة التي دأب القرآن الكريم في كثير من سوره على البداية بها
وقد اختلف المفسرون في وجه كون ما في هذه السورة هو أحسن القصص ” فقيل : لأن ما في هذه السورة من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم مالم يكن في غيرها , وقيل : لما فيها من حسن المحاورة , وما كان من يوسف – عليه السلام – من الصبر على أذاهم وعفوه عنهم , وقيل : لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن والإنس , والأنعام والطير , وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء حيلّهن و ومكرهن ؛ وقيل : لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب , وما دار بينهما ” .
ويخلص الإعجاز بسرعة في هذه السورة إلى عرض قصة يوسف – عليه السلام – بأبعادها الفنية الرائعة الرائدة , وأعماقها الإنسانية , وأهدافها النفسية والاجتماعية , غير مغفل سبل العظة والاعتبار , وعوامل التبصر , وبخاصة وأن النبي – صلى الله عليه وسلم كان يمر بعام الحزن , ويعاني من الحزن بعد موت عمه أبي طالب ،وزوجته السيدة خديجة – رضي الله عنها – وهما كانا أكبر داعمين لدعوته , فكان رسول الله كلما قرأها يشعر بالراحة , وقد خففت من مصابه , وقللت من همه وحزنه .
ويبدأ الإعجازعلى الفور بتوضيح العقدة الرئيسة في القصة متمثلة في حقد الشبان من الأبناء على أخيهم الأصغر غير الشقيق ” يوسف ” المستحوذ على عطف الأب وحنانه , فيصل الحقد إلى لون من التآمر بهدف التخلص من هذا الأخ الصغير .
وتأخذ قصة يوسف – عليه السلام – في التسلسل في اتجاه واحد معتمدة على الشخصية الأولى : شخصية يوسف – عليه السلام – ومرتكزة على انعطافات مصيرية أربع لهذه الشخصية , كان لها أثرها في تطور الأحداث , لتستقيم بعد ذلك في خط مستقيم صاعد .
- الانعطافة الأولى : إلقاء يوسف في الجب .
- الانعطافة الثانية : بيع يوسف في مصر .
- الانعطافة الثالثة : قدرته على تأويل الأحاديث والرؤيا .
- الانعطافة الرابعة : قيامه بما عهد إليه من أمر التبليغ والرسالة .
محاورالدورة
المحور الأول :علاقة يوسف –عليه السلام –مع أبيه
في ضوء كل الأحداث المتصاعدة نجد يوسف – عليه لسلام – ذا شخصية إيجابية ملفتة للانتباه بثباتها , وثقتها بنفسها , وقدرتها على التخطيط لمواجهة ما يقابلها من تحديات .
كان بداية هذه التحديات رؤيا رآها يوسف – عليه السلام – وهو صغير فيقصها على أبيه يعقوب – عليه السلام – الذي يدرك ببصيرته أن أمام ابنه مستقبل مضيء يصل فيها إلى مكانة بأمر من رب العالمين .
ونجد أن يوسف -عليه السلام -في حواره مع أبيه يجسد للمتأمل أقوى صور الاحترام والطاعة المتناهية باستعمال أداة النداء ” يا ” التي للبعيد , و”أبت ” بدلاً من ” أبي ” حباًّ وتقديراً لوالده العاطفي الحنون التي عاشت مشاعره حالة من التضارب بين العطف , والتوجس خيفة , والحب *إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبآ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين*قال يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدآ إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم-سورة يوسف آيات 4-6 .
فالعلاقة القوية بين الاباء والأبناء هي دلالة النجاحات التربوية التي يحصدها حسن التعامل بين الآباء والأبناء والتي تربط بعقوب عليه السلام مع ابنه الصغير يوسف عليه السلام التي تصل قوتها إلى درجة أن يخبر الطفل والده بكل شئ يحدث له حتى على مستوى الرؤى والأحلام التي يراها الصغير في منامه.هذا السلوك الإيجابي من يوسف عليه السلام في إخبار والده بالرؤيا لها دورها الفاعل في فتح آفاق الحوار بين الأب والابن مما يعني اطلاع الأب على كل المستجدات التي تطرأ في حياة ابنه بحيث تسهل له عملية التعامل مع هذه المستجدات بحسب طبيعتها في الوقت المناسب.
والمتأمل لتكرار الرؤيا حيث قال : ( رأيتهم ) ” ليدل على حقيقة رؤياه وتيقنه منها , وأنها ليست أضغاث أحلام كما أن تقديم الجار والمجرور ” لي ” على عامله ” ساجدين ” إنما هو لإظهار العناية والاهتمام للدلالة على التخصيص , فكأنه قال رأيتهم ساجدين لي ليس لغيري , ولذلك بادره أبوه بقول:*يابني لاتقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيدآ إن الشيطان للإنسان عدو مبين* يوسف : 5 .
كانت نصيحة يعقوب لابنه ألا يخبر أخوته بتلك الرؤيا لسببين :
-الخوف على يوسف من إيذاء أخوته له لأنهم حين يعلمون أمر الرؤيا وما فيها من البشارة سيغارون ويحسدون وبالتالي سيؤذونه .
-الخوف على إخوة يوسف من كيد الشيطان لهم,فيتخذ الشيطان من الرؤيا ذريعة للدخول إلى نفوسهم فيملأها بالحقد والضغينة ففي كتمان الرؤيا خبر وسيلة لغلق باب الشر.
وهذا مادفع يعقوب عليه السلام ليغرس في ابنه هذه المسالة وهو أن يتحلى بشئ من الحيطة والحذر ،فقال :محذرآ بأن لا يحدث إخوته برؤياه فيكيدوا له كيدآ وذلك ليعلم المؤمن بأن عليه الأخذبالحيطة.
ولعلنا نلاحظ أن تحذير سيدنا يعقوب ابنه يوسف من أخوته إنما جاء مقتضبآ موجزآ إذلم يأت على ذكر الأسباب التي ستدفعهم وهم إخوته إلى الكيد له وإظهار العداوة .
ولعل في قوله : ( يابني لاتقصص رؤياك على أخوتك)ماقد يثير في نفس يعقوب –عليه السلام-حقدآ وكراهية لهم لكن الأب بأسلوبه التربوي لم يسند الكيد مباشرة لأخوة يوسف وإنما علل ذلك الكيد بأنه راجع إلى الشيطان وهوحرص منه –عليه السلام-على تجميع قلوب بنيه على المحبة والتآزر مبين لابنه يوسف أن هذاالكيد من الأمور الطبيعية التي يمر بها البشر لأنه من عمل الشيطان ،والشيطان عدو للإنسان وليس صادرآ عن طبع منهم وسجية ‘وبهذا برأ يعقوب بنيه من الكيد وأسنده للشيطان كب ينزع من قلب ابنه أي أثر قد يتركه إساءتهم له في المستقبل .وهذا ماجعل يوسف يعفو عن إخوته لما اعتذروا إليه.
وتأمل (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك…)
الدرس التربوي في هذه الآية أيها الأحبة هو أنك إذا رأيت إنسانآ قد حزبه أمر فأهمه فسارع بنقله إلى جانب آخر مشرق يبعث في نفسه التفاؤل ويقوده إلى الاطمئنان ويحثه على العمل الدؤوب إلى نقله إلى مايعود إليه هذاالأمر الذي حزبه من خيروأره الجوانب المشرقة في النازلة .
فيعقوب عليه السلام نقل ابنه من هذاالهم الذي يعيشه إلى ماوراء ه من مستقبل مشرق فقال له:( وكذلك يجتبيك ربك)ابشر يابني هذه الرؤيا ستكون حياتك في المستقبل هذا اجتباء واصطفاء من الله عزوجل ..الله أكبر هل يتصور بعد ذلك أن يجلس يوسف –عليه السلام-يفكر في مكيدة أخوته أو ينتقل بفكره إلى هذاالخير المقبل عليه من اجتباء الله جل وعلا واصطفاء الله له واتمام نعمته .
-ووقفة تربوية يشير إليها يعقوب –عليه السلام-في هذه الآية وهي أن كثيرآ من الناس يتصور أن الأبناء لايفقهون ولا يفهمون ويتعامل معهم على هذا الاعتماد وهذا خطأتربوي .
والشاهد أننا نخطئ في تقييمنا للأطفتال فلا نعاملهم معاملة تتناسب مع عقولهم بل يشعرهم البعض بأنهم لا وزن لهم فتكون النتيجة تخريج نوعين من الشباب :
-شباب يعاني من هزيمة نفسية يستصغر نفسه ويقلل من شأنه ويقيد نفسه بحبال وهمية نسجها المجتمع من حوله ،وشباب آخر متهور يحاول أن ينفلت من كل قيد ليثبت أنه رجل ولو بشكل منحرف.
ثم تأمل السلوك الإيجابي الذي انتهجه الأب يعقوب عليه السلام عندما أخبر وه بأنه يوسف ابتلعه الذئب قال (بل سولت لكم انفسكم أمرآ فصبرا جميل والله المستعان على ماتصفون)إنه التلطف في القول فلم يصف أولاده بالكذب وإنما قال (بل سولت لكم أنفسكم)ذات الوقع الأفضل والأقل ضررآ على نفسية الأولاد وقوله –تعالى-(على ماتصفون)فلم يقل على كذبكم وكأنه عزا الكذب إلى قولهم لا إلى شخصهم .
(فصبر جميل)الذي لاشكوى فيه فما أحوج المربين لهذاالدرس ،فيعقوب عليه السلام مع علمه بالفعل لم يطردهم أو يضربهم فهذه حكمة من يعقوب عليه السلام فهو يرى الطرد عجز وليس قوة يقول ابن عاشور (هذا في غاية البلاغة لأنه كان واثقآ بأنهم كاذبون في الصفة )
.
المحور الثاني:علاقة يوسف –عليه السلام-مع امرأة العزيز
وتتوالى الأحداث على يوسف – عليه السلام – فيباع في سوق الرقيق , وكان يوسف جميل المنظر , فائق الجمال , فتان الصورة , فكان ذلك الجمال المتناهي سبباً في محنته مع امرأة العزيز إذ أشعل جماله في نفسها جذوة نار حبه *قد شغفها حبآ*هذا التعبير القرآن له بلاغته وجماله ” فإن شغاف القلب حجابه , فكأن حب هذا الفتى قد مزّق حجاب قلبها , ووصل إلى فؤادها , وأن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب , فاشتغل بحبه , وصار حجاباً بينه وبين كل ما سوى هذه المحبة ,فلا تعقل صاحبة هذا القلب سواه , ولا يخطر ببالها غيره ” .
واستمرت جذوة نارالحب تتكرر عند امرأة العزيز كلما لمحت يوسف – عليه السلام – فأخذت تتقرب إليه وهو يعرض عنها , يدفعه إلى ذلك طهارة قلبه , وسلامة عقيدته من ناحية، ومن ناحية أخرى أن رب البيت وسيده قد أكرم مثواه , ووثق به في بيته فلا ينبغي أن يقابل نعمه بالجحود , إلا أن امرأة العزيز أصرت على شفاء ما في صدرها من صبابة ’ فخرجت من التلميح إلى التصريح ودعته إلى نفسه دعوة لا هوادة فيها وقد احتاطت للأمر *وغلقت الأبواب وقالت هيت لك*يوسف : 23 .
يقول الدكتور صالح العايد : ” تأملوا قوله تعالى : *وغلقت الأبواب*فالصرفيون يقولون : التضعيف في هذا الفعل , للدلالة على تكثير المفعول , أي للدلالة على كثرة الأبواب , ولكني لا أرى ذلك , بل أرى أن المراد أغلقت الأبواب إغلاقاً محكماً بشدة وقوة تدعوان إلى الطمأنينة , أما تكثير المفعول به – وهو الأبواب – فليس ناشئاً عن الفعل , بل هو غير وارد ؛ لأ ن جمع الباب على الأبواب يدل على القلة ؛ ويؤيده أنه قد روي أن أبواب البيت لم تكن تجاوز العشرة – وهو ما تدل عليه جمع الكثرة – بل كانت سبعة فقط , ولو كانت أكثر من ذلك لربما قال : ( بيبان ) وهذا يدل على أن تضعيف الفعل دال على إحكام الفعل لاكثرة المفعول . والله أعلم ” .
وأيًّا كان فإن يوسف – عليه السلام – أمام ابتلاء عظيم , فتأمل معي أيها المتأمل إيجابية السلوك المتمثلة في تربية يوسف الإيمانية حين قال وبكل ثقة في وجه امــرأة العزيز*قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لايفلح الظالمون* سورة يوسف : 23 .
من هذه العبارة بدأ مسرح الجريمة ينحي منحن آخر أكثر اتساعاً وأوضح بياناً ؛ إذ وجدت امرأة العزيز نفسها مهزومة أمام شهواتها , وقد أفلح يوسف -عليه السلام -أن يفلت منها , فإذا بعزيز مصر يقف أمام الباب , فأرادت أن تبدي تماسكها , ورباطة جأشها , فألقت بقنبلة اتهامها الماكر الخبيث الذي لم يكن مجرد اتهام فحسب ليوسف ولكنه خرج إلى ما هو أدهى وأمر بسؤال استنكاري تعجبي بالغ في الدهاء والمكر قالت :*ماجزاء من أراد بأهلك سوءآ* ﭼيوسف : 25 . يقول السعدي في تفسيره ولم تقل : ” من فعل بأهلك سوءاً ” تبرئه لها , وتبرئه له , أيضاً من الفعل ” .
ثم ختمت قولها بقرار مصيري ليوسف – عليه السلام – إما السجن أو العذاب الأليم , فما كان رد يوسف – عليه السلام – إلا أن قال بسمة الشخصية الإيجابية , الواثقة من نفسها , الثابتة على مبادئها , التي لا يمكن لها أن تضطرب أو تتذبذب مهما اختلف الزمان والمكان , وتغيرت الظروف والأحوال .
فيرفض يوسف -عليه السلام -إغضاب الله وعصيانه , ولو سجن وعذب عذاباً أليماً , والعبرة هنا لشباب الأمة في التأسي بيوسف في صبره وجلده وقوته على نفسه والشيطان , والنسوة , وامرأة العزيز , ومحاربته في هذه الجبهات المتعددة التي تتفنن في دعوته إلى الإثم .
فقد صور القرآن الكريم موقف سيدنا يوسف – عليه السلام- من الفاحشة بصورة تعتبر من أقوم المبادئ في التربية والسلوك . (قال هي راودتني عن نفسي)يوسف آية :26فهذه الجملة مفصولة عما قبلها لشبه كمال الاتصال المسمى الاستئناف البياني فعندما قالت امرأة العزيز (ماجزاء من أراد بأهلك سوءآ…)
فكأن سائلا سأل :فماذا كان رد يوسف عليها ؟لأن الحال آنذاك كانت تدل على براءة “يوسف “وذلك أنهما كانا عند الباب ،ولوكان الطلب منه لما كان إلا في محلها الذي تجلس فيه وهو صدر البيت .وكذلك “يوسف”لم يكن عليه أي أثر من آثار التزين ،فإلحاق التهمة بالمرأة أولى.
ولولا أنها تكلمت لما تكلم “يوسف”؛”لأنه لم يرد فضيحتها ولا إذايتها بكلامه ،وحتى لفظة :(قال هي)يشير إلى ذلك ،فلم يقل :(أنت)فقد خاطبها بضمير الغائب احترامآ لها”إنه الخلق الرائع من نبي كريم .
المحور الثالث:علاقة يوسف –عليه السلام- مع الناس
وحين عاش يوسف – عليه السلام – في السجن كان شامة بين الناس في إحسانه وسمو أخلاقه معهم ؛ لذا جاءه الرجلان يستفتيانه في رؤياهما مستشهدين بما عرفاه من حاله وإحسانه للناس . وقد استطاع -يوسف عليه السلام -أن يستثمر هذا الموقف في دعوتهما إلى توحيد الله – عز وجل – وبيان حال ما هم عليه من الأرباب المتفرقين بعد أن وعدهما بتبادل رؤياهما ناسباً الفضل في ذلك إلى ربه عز وجل :
*ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرآ وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزآ تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين *قال لايأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لايؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون*واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ماكان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون*ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار* سورة يوسف 35-39 ، إنه الاستثمار الحقيقي في موضعه .
هذه الأخلاقيات في سلوكيات يوسف – عليه السلام – ظهرت خطوطها بوضوح عندما دخل – عليه السلام – السجن في علاقته بمن حوله حتى إنهم بمجرد احتكاكهم ومخالطتهم لشخصيتة النبيلة *إنا نراك من المحسنين* آية 36 يوسف
فقوله :(ياصاحبي السجن )فيه إيجاز حذف ،فقد حذف حرف الجر وتقديره: في السجن .وهذا الحذف يشير إلى ملاطفته –عليه السلام-لصاحبيه ،وفي ذلك رسالة إلى الدعاة إلى الله –تعالى-أن يستخدموا أسلوب التلطف مع من يدعوهم ،فذلك أقرب إلى القبول وسماع النصيحة ،ومحبة الداعي والمدعو إليه.
المحور الرابع:علاقة يوسف –عليه السلام-مع عزيز مصر
تتوالى شخصية يوسف – عليه السلام – في معالجة الأحداث التي يمر بها فيتضح لنا علمه ومعرفته من خلال إدارة أزمة البلاد التي اتضحت من خلال رؤيا عزيز مصر , والتي عبرها يوسف – عليه السلام – خير تعبير*وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأأفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون* سورة يوسف : 43 .
فيوسف -عليه السلام -رسم لنا بتعبير رؤيا الملك إبعاداً لشخصية إيجابية جمعت العلم والمعرفة من خلال إدارة الأزمة التي اتضحت له من الرؤيا للتغلب عليها بوضع خطة استراتيجية شاملة متكاملة لتحقيق الجودة الاقتصادية وفق معايير مقننة لا يضعها إلا مخطط إداري محنك , وخبير في مجال الزراعة والاقتصاد والإدارة , فالحقيقة لم يكن سيدنا يوسف – عليه السلام – مفسراً للأحلام فحسب بل كان قائداً ومشرفاً وموجهاً ومخططاً من زاوية السجن لمستقبل البلاد ,
وقد قدم مقترحاً فريداً من نوعه , شاملاً لأربعة عشر عاماً على الأقل وكما يلاحظ فإن هذا التعبير المقرون بالمقترح للمستقبل حرك عزيز مصر وحاشيته تجاه هذا التخطط لإنقاذ أهل مصر من القحط القاتل : *قال تزرعون سبع سنين دأبآ مما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون*ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ماقدمتم إلا قليلآ مما تحصنون *ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون*
سورة يوسف , آيات : 47-49 .
إن نبي الله يوسف – عليه السلام – دون أن يطلب شرطاً أو قيداً أو أجراً لتعبيره عبّر الرؤيا تعبيراً دقيقاً لا غموض فيه مقروناً بما ينبغي عمله في المستقبل , واستثمرها كإشارة للمستقبل رسم في صوتها خطة استراتيجية لتوكيد الجودة تهدف إلى تجاوز سني الجفاف والقحط , وذلك باتخاذ عدد من التدابير الاحتياطية التي تكفل للملك وشعبه العيش الرغيد مستقبلاً .
إن هذه الآيات الواردة في شأن يوسف رسمت لنا أول موازنة تخطيطية مبينة على أسس علمية استطاع من خلالها نبي الله يوسف كسب الوقت في سنوات الرخاء بمضاعفة الناتج للإفادة منه في سنوات الجدب وهذه حكمــة *ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرآ كثيرآ*سورة البقرة آية 269 .
والحكمة يلخصها ابن القيم – رحمه الله – بقوله : ” الحكمة فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ” .
وهذا ما فعله سيدنا يوسف – عليه السلام – من احترام للوقت واهتمام بالمواعيد , وانضباط في الزراعة , ونظام في التوزيع تؤكد تطبيق متطلبات ومعايير الجودة التي ينادي بها الفكر الإداري المعاصر .
وعندما أنس الملك لقدرات يوسف – عليه السلام – وإمكانياته*وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسأله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم* سورة يوسف آية 50 .
وهنا يتجلى –لنا-في شخصية يوسف – عليه السلام – حرصه على حفظ كرامته , وسمعته بين الناس , حتى وهو في غياهب السجن يقدم لنا درساً عملياً وهو أن خروجه مقرون بإعلان براءته ونزع الاعتراف من امرأة العزيز ونسوة المدينة يقول السعدي في تفسيره : ” امتنع يوسف عن المبادرة إلى الخروج حتى تتبين براءته التامة , وهذا من صبره , وعقله ورأيه التام ” فلم يشر يوسف إلى امرأة العزيز , ولم يقل : التي راودتني كالمرة السابقة و وإنما اكتفى بإشارة اقتضتها الحاجة إل تبرئة مقامه عليه السلام .
وبثبات موقف يوسف _عليه السلام _من التأكيد على عدم خروجه عن السجن حتى يتم إثبات براءته يقوم الملك – عزيز مصر – بفتح ملف التحقيق الخاص بأمر النسوة دون أن يحدد أو يسمى أحداً مصداقاً لقوله – تعالى – : *ماخطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه* سورة يوسف , آية : 51 . لكشف ظلم حبس يوسف – عليه السلام – طيلة هذه السنوات , وبيان صدقه , مما يدل على أن الملك قد سمع القصة بتفاصيلها فاهتزبها , واعتبرها خطباً مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان .
وبذلك تظهر أمانة وعفة نبي الله يوسف , وصدقه بشهادة امرأة العزيز ونسوة المدينة ؛ ليكون مقدمة لبناء جسور الثقة بينه وبين الملك مما يمهد له سمعة طيبة وسيرة حسنة أثناء التعامل .
فيوسف – عليه السلام – بما يمتلك من شخصية فاعلة استطاع أن يدير ذاته بكل إيجابية بوضوح الهدف , والتفكير الجاد , والثقة بالنفس , والتخطيط السليم والصبر والمثابرة والإصرار , فكانت النتيجة أن يطلب الملك – عزيز مصر – بذاته أن يستخلص يوسف لنفسه *وقال الملك أئتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين*يوسف آية:54 فكان الجواب من يوسف *قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم*يوسف:55 فتأمل ما تحمله عبارة *اجعلني على خزائن الأرض …*
وما تملكه من إيجابيات الشخصية الواعية التي من أبرز سماتها وأعلى درجاتها الثقة بالنفس ,ومعرفة أين تكمن قدراتها وإمكانياتها , فيوسف -عليه السلام -ومن غير خجل يعلن للملك أنه أقدر الناس على حفظ خزائن الأرض ؛لما يمتلكه من صفات العلم والأمانة . يقول السعدي ( أي حفيظ للذي أتولاه , فلا يضيع منه شيء في غير محله , وضابط للداخل والخارج , عليم بكيفية التدبير , والإعطاء والمنع , والتصرف في جميع أنواع التصرفات ,
وليس ذلك حرصاً من يوسف على الولاية , وإنما هو رغبة منه في النفع العام , وقد عرف من نفسه من الكفاية والأمانة , والحفظ , مالم يكونوا يعرفونه ” .
والمتأمل في قوله : *إني حفيظ عليم* يلفت انتباهه ” أن الخبر هنا مستقبلي , وقد أكد بمؤكد واحد بالإضافة إلى إسمية الجملة , وصيغة المبالغة *حفيظ عليم* مما يجعل المخاطب في حالة تردد أوشك من قبول الخبر , وما ذلك إلا لطلب القيام على خزائن الأرض , التي تتعلق بمعيشة الناس وتمويل غذائهم , وهو أهم شيء في حياتهم , ولما كان هذا الطلب من الأمور العزيزة نزل المتكلم مخاطبه منزلة المتردد , فأكد الخبر بمؤكد واحد وهو ” إن ” إنها ترجمة صادقة وحقيقية لأعلى درجات الثقة بالنفس , فيوسف -عليه السلام -كان على ثقة كاملة بنفسه وبتحمل المسؤولية , وأنه أهل لأن ينهض بهذه المهمة الثقيلة لوجود مقومات العمل عنده بقوله مؤكداً *إني حفيظ عليم* وهذا شرطان أساسيان يتفقان مع طبيعة العمل المطلوب القيام به .
فأجاب الملك طلب يوسف – عليه السلام – وجعله وزيراً للمال والخزانة , وأطلق له سلطة التصرف في شؤون البلاد , إذ أحس أن لديه سماتاً ليست في غيره من رجاحةالعقل والخبرة والضبط , والسياسة , وحسن التصرف والقدرة على إحكام النظام ما تمكنه من النهوض بهذه المسؤولية العظيمة , ” فلما تولى يوسف – عليه السلام – خزائن الأرض , دبرها أحسن تدبير , فزرع في أرض مصر كلها في السنين المخصبة , زروعاً هائلة , واتخذ لها المحلات الكبار , وجبى من الأطعمة شيئاً كثيراً , وحفظه وضبطه ضبطاً تاماً , فلما دخلت السنون المجدبة , وسرى الجدب , حتى وصل إلى فلسطين , التي يقيم فيها يعقوب وبنيه , فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة في مصر ” *وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون*. يوسف , آية : 58 .
المحور الخامس: علاقة يوسف –عليه السلام-مع أخوته
تبرز لنا الآيات بعد ذلك معلماً من معالم الشخصية الإيجابية , فحين يتهيأ اللقاء الثاني بين يوسف وإخوته تتصاعد مشاعر الصفح والمسامحة في نفس يوسف – عليه السلام –*قال لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين* سورة يوسف آية:92
فتأمل معي بلاغة الكلمة القرآنية *لاتثريب عليكم* فهذه العبارة تقال في العفو عند المقدرة , فإن هذه صفات العظماء الأجلاء الذين يتحملون في سبيل دعوتهم كل أذى , ولذلك فإن يوسف قد عفا عن إخوته برغم قدرته على إنزال أقسى أنواع العقوبة بهم لكنه يقابل الإساءة بالإحسان ” فسمح لهم سماحاً تاماً , من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق , ودعا لهم بالمغفرة والرحمة , وهذا نهاية الإحسان , الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق , وخيار المصطفين ” ودلالة الفعل المضارع ( يغفر الله لكم ) يفيد معنى أنا رحمتكم بأن تنازلت عن حقي ، ولكن الله – عز وجل – أرحم الراحمين ،
فاسأله أن يغفر لكم ، فلم يعمد يوسف – عليه السلام – إلى تجريح شعور إخوته ، كما لم يستغل الضعف الشديد الذي كانوا عليه أمامه ، بل عمد إلى رفع اللوم عنهم والدعاء بأن يغفر الله لهم زلاتهم , وهو أرحم الراحمين ، فانظر كيف قابل القائد العظيم الخطأ بالعفو ..” والعفو عند المقدرة “، وكيف بدّل انفعالاتهم السلبية الشديدة – خوف وخجل – بالدعاء والاستغفار لهم ؛ لتطمئن قلوبهم ، وتسكن جوارحهم ، بل تزداد مثالية يوسف-عليه السلام-روعة في قوله –تعالى-*وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي *سورة يوسف آية:100 ،
فلم يقل – عليه السلام – : ” نزغ الشيطان إخوتي ” بل كأن الذنب والجهل صدر من الطرفين ، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره ، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة إنها إيجابية السلوك التي ظهرت في لطفه ، وحسن خطابه – عليه السلام – ” حيث ذكر حاله في السجن ، ولم يذكر حاله في الجب لتمام عفوه عن إخوته ، وأنه لا يذكر ذلك الذنب وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله ” .
وبعد أن يسكن يوسف – عليه السلام – روع أخوته ، وينالوا قسطاً من الراحة ، يطلب يوسف من أخوته أن يذهبوا بقميصه إلى أبيهم ويرموه على وجهه ؛ ليرتد إليه بصره ، لتكون بمثابة صدمة إيجابية تزيل الاكتئاب الشديد الذي أصيب به النبي يعقوب – عليه السلام – الذي صدم بفقدان أعز ولدين لديه ، وصُدم – دون شك – بالسلوك السلبي لأبنائه ، وأصيب بخيبة أمل شديدة جراء تصرفاتهم التي تحمل في طياتها انفعالات سلبية شديدة ، تمثلت في الغيرة من يوسف ، وحقدهم على أبيهم اعتقاداً منهم بأنه كان يفضل يوسف – عليه السلام – ،
لكن يوسف – عليه السلام – بشخصيته الإيجابية استطاع أن يحول هذه المشاعر والسلوكيات السلبية إلى مشاعر إيجابية فقد كان – عليه السلام – داعية وأستاذاً تربوياً يلقي محاضرات عملية عند كل موقف وتحدٍ يتعرض له .
. قال عطاء : ” لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها ” ففي هذه السورة دروس سلوكية وأخلاقية وتربوية ونفسية مهمة .
فيوسف – عليه السلام –قدوة في مواجهة الحياة الضاغطة بالتفكير الإيجابي في حل المشكلات اليومية التي تمر بها النفس البشرية ، وبهدوء وموضوعية ، وبنظرة فاحصة وشاملة للمشكلة دون تضخم لها ، أو التقليل من شأنها .
فما أحوج أمتنا التي تعيش ظروفاً حرجة للتفاؤل الذي يدفعها للعمل من أجل تحقيق موعود الله لها ، فإن المهزوم من هزمته نفسه قبل أن يهزمه عدوه ، وإذا دخل اليأس والقنوط على القلوب فشلت وخارت واستسلمت لعدوها .
فيوسف – عليه السلام – في كل مراحل حياته لم يفارقه التفاؤل ، فلم يلج اليأس والإحباط لقلبه – عليه السلام – من أول حياته حتى آخر لحظات عمره ، فكان صاحب منهج معتدل في سرائه وضرائه ، في البئر ، في السجن ، في الملك ، وهو يرفع أبويه على العرش ، ويخروا له سجداً ،
وتقول الدكتورة ماجدة بخيت : ” فكن واقعيآ في التخطيط لأهدافك ومستويات طموحاتك ؟ لتستطيع الوصول إليها في حدود قدراتك ، حتى لا تعرض نفسك للشعور الدائم بالخيبة والفشل والإحباط واحتقار الذات ، كما أن مواجهة العقبات بالقدرة على الصمود حيال الأزمات يتطلب استخدام طرق وأساليب علم النفس الإيجابي في تنشئة وبناء الشخصية الإيجابية ’
حيث يشير إليها حسن الفنجري – بغرس الأمل وتنمية مهارة التفاؤل ، وتنمية الكفاءة الذاتية ، وبناء القوى الحاجزة ، هذه الأساليب وغيرهما تعمل كحائط منيع ضد تعرض الفرد للضغوط أو الإصابة بالأمراض النفسية , فتعلم التفاؤل يمنع الاكتئاب , والقلق لدى الأطفال والراشدين , كما يعمل على بناء السمات الإيجابية التي نعد بها صغارنا لمواجهة الحياة من خلال مناهج ابتكارية تعمل على غرس قدرات التعاطف مع الآخرين , وضبط النفس والتعاون والإيجابية , لأن هذه القدرات الإيجابية هي التي تقود التفكير وتوجهه , وتساعد المجتمعات ليس على التحمل والبقاء في مواجهة الحياة الضاغطة فقط , ولكن تساعدهم على الازدهار ”
وقد كان يوسف –عليه السلام – أنموذجاً للشخصية الباعثة على التفاؤل وهو تفاؤل عجيب من نوعه , استطاع من خلاله أن يواجه جميع الصعوبات والتحديات .
هذا.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
- من فكرة إلى كيان مؤثر… نجوم السياحة ترسّخ حضورها بقوة وتحقق تحولًا نوعيًا في عامٍ واحد..
- وفاة ناجعة الفيفي بمنطقة تبوك
- انطلاق “الجامعية لألعاب القوى” بالطائف.. ونجوم اليوم الأول يلمعون
- الكلمة أمانة
- انطلاق بطولة الجامعات لألعاب القوى بالطائف



