
بقلم : حسن مفرح الفيفي
صحيفة بصمة اون لاين
في زحمة المدن البعيدة، أكتشفت أن القلب لا يشيخ إلا حين يُنتزع من تفاصيله الأولى.
هذه اللحظة… أحتاج فطوري شعبي بنكهة جنوبية خاصة تجمع البساطة والدفء وروائح الحطب، وقهوتي الممزوجة بالهيل وبُنّ مرتفعات فيفاء،
أحتاج ضوضاء القرية الجميلة، وضحكات الناس الطيبين،
أن أتجول بين البيوت القديمة التي تحفظ أسماء أهلها أكثر مما تحفظها الذاكرة.
أشتاق لتلك العجوز التي كانت تسألني ببساطتها الدافئة:
«أنت ولد من؟»
وكأنها لا تبحث عن الاسم، بل عن الجذور التي ننتمي إليها.
وأشتاق لذلك الطفل الصغير، حافي القدمين،
يركض خلف كرته ببراءة،
يتوقف أمامي ليسألني بعفوية:
«إيش عندك هنا ؟»
فأبتسم، بينما داخلي يجيب:
عندي عمرٌ كامل تركته هنا.
لم أعد أعشق البعد،
ولا أجيد التصنع كي أذوب في محيطٍ لا يشبهني،
فبعض الأرواح خُلقت لتبقى معلقة بأماكنها الأولى مهما ابتعدت.
أحب تلك العبارة التي تُقال بمحبة صادقة:
«لا تنسى زيارتنا بالصيف»
عبارة صغيرة… لكنها كانت تحمل شعور اللقاء والانتماء ودفء القلوب.
يمر خط الطيران فوق بيتنا في تلك المدينة البعيدة،
ولا أدري إلى أين تتجه تلك الرحلات،
لكنني في كل مرة أدعو لهم بسلامة الوصول،
وفي داخلي أمنية واحدة:
ليت هذه رحلتي المتجهة إلى مسقط راسي.
حتى عصفور نافذتي صار يغرد طويلًا هذه الأيام،
لا أدري هل يشكو لي حاله أم يشاركني الحنين،
لكنني أبادله ابتسامة خافتة،
وأتمنى ألا يفسرها شماتة بالحزن الذي يسكنني.
صار قلمي صديقي بعد جفاءٍ طويل،
وصارت الكتابة نافذتي الوحيدة حين يضيق القلب بما فيه.
فماذا عساني أكتب،
حين أكون في ليلةٍ قمراء،
والحنين يجلس بجانبي بصمت البحر؟

- أمانة جازان تتهيأ للعيد… مدينةٌ ترتدي الفرح وتستقبل ضيوفها بروح الخدمة والمحبة
- تركي ينثر الفرح في منزل خالد عبدالله مشهور
- غيمة المسارحة.. مسيرة ثلاثة أعوام من التميز وصناعة الأثر المجتمعي
- “خطى النُسك”.. أمانة جازان وشركاؤها يوحدون الجهود لخدمة ضيوف الرحمن بمبادرة مجتمعية متكاملة .
- الكلمة الطيبة في زمن القسوة




كلمات تحلق بنا للماضي سلمت وسلمت يد خطّت هذي العبارات
الله الله يا أبا أحمد…
كلمات ليست تُقال، بل تُشعَر…
أخذتنا إلى عمق الانتماء، حيث الجذور التي لا تُنسى، والذكريات التي تسكن القلب مهما ابتعدنا.
(أنت ولد من) سؤال يحمل تاريخاً وهوية وفخراً،
و(عندي عمرٌ كامل تركته هنا) اختصرت حنين العمر كله في عبارة واحدة.
إبداع لامس الوجدان وأيقظ فينا الشوق لكل ما تركناه خلفنا من أهلٍ وذكريات ومحبّة👏🏻👏🏻👏🏻
رفقا بنا فقد اوجعت حروفك قلوبنا دون ان تشعر بالذي فعلته بنا . الحنين للمكان لن يمسح من الذاكرة فهو نقش للايام وليست حروف عابرة. تذكرت ابي رحمه الله عندما كان ياخذني صباحا بعد عودتي من السفر لكي ناخذ جولة في المكان كانت رسالة منه حتى لا انسى اصلي وانتمائي .شكرا لك ولصحيفتكم لاحتوائكم شيء مما نعانيه بحكم البعد وبسبب ظروف الحياة.
الإلكتروني
hamaddugdugi1@gmail.com
تعليقاً
تبارك الله شيء جميل حتى ان
هذا النص لا يُقرأ كخاطرة عابرة، بل كعودة طويلة إلى الذات الأولى… إلى الإنسان حين كان بسيطًا، مكتفيًا برائحة الخبز الساخن، وصوت القرية، ووجوه الناس الذين يعرفونه دون أن يسألوا عن اسمه الكامل.
إنه نص يكتب الحنين بوصفه وطنًا داخليًا لا يغادرنا مهما ابتعدنا، ويكشف أن الغربة الحقيقية ليست في المدن البعيدة، بل في الأماكن التي لا تشبه أرواحنا.
في هذا المقال تبدو القرية وكأنها أمٌّ كبرى، تحفظ أبناءها حتى بعد أن يشيخوا، بينما المدن الحديثة تمرّ باردةً كأرصفة المطارات؛ مزدحمة بالبشر وفقيرة بالألفة.
ولهذا جاء الفطور الشعبي، ورائحة الحطب، وقهوة الهيل وبُنّ فيفاء، ليس بوصفها تفاصيل يومية، بل كرموز للدفء الأول… للطمأنينة التي لا تُشترى.
أما سؤال العجوز:
«أنت ولد من؟»
فلم يكن سؤال معرفة،
بل كان طقسًا اجتماعيًا عميقًا،
كأنها تعيد الإنسان إلى جذوره، وتذكّره أن الأسماء وحدها لا تكفي، وأن الانتماء الحقيقي يُولد من المكان والناس والذاكرة.
ويبلغ النص ذروته الوجدانية عند الطفل الحافي الذي يسأل بعفوية:
«إيش عندك هنا؟»
بينما الإجابة الحقيقية تختبئ داخل الكاتب:
«عندي عمرٌ كامل تركته هنا.»
وهنا يتحول الحنين من شعور عابر إلى سيرة حياة كاملة، ويصبح المكان خزانًا للأعمار لا مجرد جغرافيا.
النص أيضًا يواجه فكرة التكيّف القاسي مع المدن الحديثة؛ فليس كل إنسان قادرًا على الذوبان في البيئات الجديدة، لأن بعض الأرواح خُلقت من طين القرى، ومن دفء العلاقات البسيطة، ومن سلام الناس الذين يلوّحون لك قائلين:
«لا تنسى زيارتنا بالصيف.»
تلك العبارة الشعبية الصغيرة جاءت في النص كأنها نشيد للمحبة القديمة؛ دعوة مفتوحة للعودة، ورسالة تؤكد أن هناك أماكن ما زالت تنتظرنا مهما تأخرنا.
وفي مشهد الطائرات العابرة فوق البيت تتجلى قسوة المسافات؛ إذ يصبح السفر رمزًا للفقد، بينما تتحول كل رحلة في السماء إلى أمنية شخصية مؤجلة:
أن يعود الإنسان إلى مسقط قلبه قبل مسقط رأسه.
حتى العصفور في النافذة لم يكن عنصرًا عابرًا، بل مرآة خفية لحال الكاتب؛ كلاهما يغني وحيدًا، وكلاهما يحمل شيئًا من الحنين لا يستطيع الإفصاح عنه كاملًا.
أما النهاية، حين عاد القلم بعد جفاء طويل، فهي إعلان نجاة.
فالكتابة هنا ليست ترفًا أدبيًا، بل وسيلة تنفس أخيرة،
نافذة يهرب منها القلب حين تضيق المدن، ويثقل الحنين، ويجلس الصمت بجوار الإنسان «كالبحر» في ليلة قمراء.
إنه نص يذكّرنا جميعًا بأن الإنسان مهما تقدّم في العمر، يبقى طفلًا صغيرًا يبحث عن الطريق المؤدي إلى بيته الأول… إلى المكان الذي يعرف اسمه، وصوته، وخطواته، وحتى حزنه القديم
نصّك جميل جدًا، وفيه حسّ تأملي دافئ يكمّل روح المقال ويُبرز معناه الإنساني.
أعجبني تحديدًا هذا التعبير:
“فليست كل غربة سفرًا، أحيانًا نغترب ونحن في أماكن اعتدناها”
لأنه يلخّص واحدة من أكثر مشاعر العصر صدقًا؛ أن يكون الإنسان حاضرًا بجسده، وغائبًا بروحه.
كما أن خاتمتك جاءت مؤثرة وهادئة:
:
“فالطمأنينة لا تُقاس باتساع المدن… بل بقرب الأرواح التي تشبهنا.”
“فالمدن الكبيرة قد تمنحنا الطرق… لكنها لا تمنحنا دائمًا الشعور بالمكان الاصلي .”
النص عمومًا يحمل لغة رقيقة وصورًا صادقة، ويصلح جدًا كتعليق أدبي أو منشور ثقافي قصير.
حروف وكلمات تتعمق داخل كل احساس عاش هذا الشعور ولما نص عليه الواقع الجميل لتلك الايام والتي تتخلل زواياه كل معاني الابداع ويفترس الخيال الواقع بالانصات والاستماع لكل سؤال؟
بالرغم من البعد والتباعد مازالت الذكريات تفوح بماضي جميل فقد ابدعت به ايها الكاتب الجميل بحروفك العذبه ليعيش كل قاري التفاصيل ويتخيل المكان والواقع.
فشكراً لك على اعادة مصوغات الحياة الجميله التي لامست احاسيسنا وذكريات الامس والزمن الجميل. تحياتي لك والى الامام بانتظار جديدك العذب.
بعض الكلمات لا تُقرأ فقط، بل تُشعِرنا أننا نعود بها إلى أماكن سكنتنا يومًا، وكأن الحنين حين يُكتب بصدق يتحول إلى نافذة تُطل على أعمارنا القديمة.
وقد كان هذا المقال واحدًا من تلك النصوص التي لا تمر مرور العابرين، بل تتسلل بهدوء إلى القلب، فتوقظ الذكريات وتبعث في الروح دفءَ التفاصيل المنسية.
توقفت طويلًا أمام كل حرف وكلمة، حتى وجدت نفسي أرحل بخيالي دون شعور، أعيش المشهد بكل تفاصيله، وأتنقل بين الصور والمواقف وكأنني جزء منها. لقد كان وصفًا نابضًا بالحياة، يلامس الإحساس بصدق، ويجعل القارئ يرى ويسمع ويشعر بكل ما كُتب.
أبدعت حتى بلغ النص عنان السماء جمالًا وإحساسًا، فمن النادر أن نجد مقالًا يختصر عمرًا كاملًا في سطور قليلة، ويمنحنا هذا الكم من المشاعر والدهشة والحنين.
شكرًا لك على هذا الفن الراقي في انتقاء الكلمات، وعلى جودة الوصف التي جعلتنا نعيش معك كل تفاصيله، وكأن الحروف لم تُكتب بالحبر بل نُسجت من ذاكرة القلب.
أستاذ حسن
كأنك لم تكتب مقالًا، بل أيقظت فينا أشياء ظننّا أن الغربة قد هدّأتها.
لقد تحدثتَ عن الحنين كما لو أنك تعرف تفاصيل قلوبنا واحدًا واحدًا، فلامستَ تلك الزوايا التي لا تصلها الضوضاء ولا يفسرها الكلام.
بعض الأماكن لا نسكنها فحسب، بل تسكننا إلى الأبد، ومهما ابتعدت بنا الطرق يبقى في الداخل طريقٌ واحد ينتهي دائمًا عند البدايات الأولى.