حين تُغلق اللغة أبوابها… من يفتح هوية الوطن؟

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين
لم يكن إغلاق الأقسام النظرية، وعلى رأسها قسم اللغة العربية، مجرد قرار إداري عابر يُبرَّر بمصطلح “سوق العمل”، بل بدا وكأنه خطوة تتجاوز حدود التنظيم إلى ملامسة جوهر الهوية. فحين تُختزل اللغة العربية — التي كانت عبر القرون وعاء الفكر، ومرآة الحضارة، وصوت الأمة — في معادلة ربح وخسارة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: أي سوق هذا الذي لا يتسع للغة تُعرّفنا؟
إن سوق العمل مفهوم متغير، تحكمه تحولات الاقتصاد والتقنية، لكنه ليس معيارًا وحيدًا لتشكيل وعي المجتمعات. فالدول التي سبقتنا لم تتخلَّ عن لغاتها ولا عن علومها الإنسانية، بل عززتها لتبقى ركيزة توازن أمام طغيان المادية. أما أن يُنظر إلى اللغة العربية على أنها عبء تعليمي أو فائض معرفي، فذلك اختزال قاسٍ لا يليق بمكانتها ولا بتاريخها.
اللغة العربية ليست تخصصًا جامعيًا فحسب، بل هي ذاكرة أمة، ومفتاح فهم دينها، وجسر تواصل بين أجيالها. هي التي صاغت الوجدان، وحفظت التراث، وأبدعت في الشعر والنثر والبلاغة، حتى أصبحت جزءًا من تكوين الإنسان العربي ذاته. فكيف يمكن أن تُقصى من المشهد تحت ذريعة أنها لا تلبي احتياجات السوق؟ وأي سوق هذا الذي يستغني عن أدوات التفكير والتعبير؟
إن إغلاق هذه الأقسام لا يعني فقط تقليص فرص تعليمية، بل يهدد بإضعاف الحضور الثقافي، وخلق فجوة بين الإنسان ولغته، بين الجيل وجذوره. فحين تبهت اللغة، يبهت معها الانتماء، وتفقد المجتمعات جزءًا من تماسكها الداخلي. إن الهوية لا تُبنى بالمهارات التقنية وحدها، بل تُصاغ أيضًا بالكلمة، بالفكرة، وبالقدرة على التعبير عن الذات.
ولا أحد ينكر أهمية مواكبة سوق العمل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن، لا الإقصاء. يمكن تطوير الأقسام النظرية وربطها بمهارات حديثة، وفتح آفاق جديدة لخريجيها في الإعلام، والتحرير، والتعليم، والصناعات الثقافية، بدلًا من إغلاقها وكأنها فائض غير مرغوب فيه.
إن القرارات التي تمس اللغة العربية ليست قرارات تعليمية فحسب، بل هي قرارات تمس الوعي والهوية. وحين تُغلق أقسامها، لا تُغلق قاعات دراسية فقط، بل تُغلق نوافذ كانت تُطل على الذات. فهل نُعيد النظر قبل أن نصحو على جيل يتحدث لغته كغريب عنها؟
في زمن تتسابق فيه الأمم لتعزيز خصوصيتها، يبدو من المؤلم أن نُفرّط فيما يميزنا. فاللغة ليست خيارًا ثانويًا، بل هي الأصل… وما عداها فروع.
- مركز الملك فيصل يدشن “كرسي الكتاب العربي” لتعزيز دراسة تاريخ الكتاب العربي وتطوير حقوله المعرفية
- مستشفى جازان التخصصي يفتتح حملة التوعية بالتبرع بالصفائح الدموية
- من قلب الشفا… “الطلحي للورد الطائفي” يكشف أسرار العطر الثمين لوفد نجوم السياحة
- ختام ناجح للمؤتمر الدولي الثالث للفنون والتصاميم بالمدينة المنورة
- عبد الرحمن ينثر الفرح في منزل مدير مستشفى الطوال



