مقالات

الرصيد لا يسمح

د. عبدالعزيز بن حمود المشيقح – بريدة
صحيفة بصمة اون لاين

في حياتنا اليومية، حين نحاول إتمام عملية شراء أو إجراء مكالمة، قد تظهر لنا عبارة قصيرة لكنها موجعة:
“الرصيد لا يسمح”.

عبارة اعتدناها في شؤون الدنيا؛ فنبحث سريعًا عن وسيلة لإعادة الشحن، أو نطلب المساعدة، أو نؤجل الأمر حتى يتوفر الرصيد.

لكن…هل تأملنا يومًا في عبارةٍ أشد وقعًا، وأعظم أثرًا؟
حين تكون الرسالة يوم القيامة: الرصيد لا يسمح!

هناك… لا بطاقات شحن، ولا تحويل رصيد، ولا مهلة انتظار…
هناك يقف الإنسان بين يدي الله، وقد انكشف كل شيء، وتجلّت الحقائق، وظهرت الأرصدة الحقيقية… لا الأرصدة الوهمية.

قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ يومٌ يتخلّى فيه القريب عن قريبه، والصاحب عن صاحبه.

كلٌّ يقول: نفسي… نفسي. ذلك اليوم، ولن تجد من يدعم رصيدك، ولا من يتبرع لك بحسنة، بل ربما تُؤخذ من حسناتك لتُعطى لغيرك!

إنها لحظة الحقيقة…
حين تُعرض الأعمال، ويُوزن الإيمان، ويُنظر في الرصيد:
صلاة… صيام… صدقة… بر… إحسان… ذكر… خُلق.

فإن كان الرصيد عامرًا… فهنيئًا لصاحبه،
وإن كان ضعيفًا أو خاليًا… فهنا الخطر العظيم.

كم من إنسان شغلته الدنيا عن زيادة رصيده!
وكم من آخر ظن أن العمر طويل، وأن الفرصة باقية… حتى يفاجأ بانتهاء المهلة دون إشعار!

إنها دعوة صادقة لمراجعة الرصيد قبل فوات الأوان…
فماذا أعددنا لذلك اليوم؟

كم في رصيدنا من أعمال خفية لا يعلمها إلا الله؟ وكم في صحائفنا من صدقٍ وإخلاص؟

فالرصيد الحقيقي ليس ما في الحسابات البنكية، بل ما في صحائف الأعمال…
فاشحن رصيدك اليوم.

بصلاةٍ خاشعة، وصدقةٍ خفية، وكلمةٍ طيبة، وصلة رحم، ودمعةٍ في جوف الليل، وتوبةٍ صادقة تمحو ما مضى.

وتذكّر… قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم،
وتُغلق فيه كل أبواب الدعم… ويُقال لك:
“الرصيد لا يسمح”.

هنا يتجلّى معنى “الرصيد لا يسمح” في سياق يوم القيامة، بوصفه الإفلاس الحقيقي.

فقد بيّن النبي ﷺ هذا المعنى العظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
( أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار ).رواه مسلم.

فالإفلاس الحقيقي ليس في الدنيا، بل هو خسارة الحسنات يوم القيامة. من ظلم للعباد فإن حقوقهم مبنية على المشاحّة، لا تُغفر إلا بالتحلّل منها في الدنيا.

وتأمّل هذا المشهد:
يأتي الإنسان يوم القيامة وله رصيد من الأعمال (صلاة، صيام، زكاة)…
لكنه قد ظلم، وشتم، وقذف، وأكل مالًا، وسفك دمًا. فيُؤخذ من حسناته، وتُعطى للمظلومين وفاءً لحقوقهم…

حتى إذا نَفِد رصيده، وتصفّرت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه… ثم طُرح في النار. إنها لحظة تصفيرٍ مرعبة… بل هي ما دون الصفر!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى