مقالات

عندما يصبح التشاؤم عدسة تُضيّق العالم

الإعلامي: عادل بن محمد البكري جازان - صحيفة بصمة اون لاين

هناك أشخاص لا يغيّرون شكل المكان، لكنهم يغيّرون طريقة رؤيته. يدخلون الحديث بهدوء، لكنهم يتركون خلفهم أثرًا غير مرئي؛ كأن الأفكار تصبح أثقل، والاحتمالات أقل، والحماس يحتاج إلى جهد إضافي ليبقى حاضرًا. ليس لأن الواقع تغيّر، بل لأن زاوية النظر إليه أصبحت أضيق.

المتشائم لا يرى الأمور بالضرورة بشكل خاطئ، لكنه يميل إلى أن يبدأ من الجانب الأصعب. فإذا طُرحت فكرة جديدة، كان أول ما يُقال: «قد لا تنجح». وإذا ظهرت فرصة، سارع إلى تعداد العقبات قبل أن تُمنح الفكرة فرصة لتُفهم أصلًا.

ومع تكرار هذا الأسلوب، لا يعود التشاؤم مجرد رأي عابر، بل يتحول إلى طريقة تلقائية في التفكير والحكم على الأشياء.

ومع الوقت، لا يبقى أثر هذا التفكير محصورًا في صاحبه فقط.

فالكلمات تنتقل بين الناس بسهولة، خصوصًا حين تُقال بثقة أو تتكرر كثيرًا.

فيبدأ البعض في التراجع عن حماسهم، ويتحوّل النقاش من مساحة لبحث الحلول إلى مساحة لتوقّع العوائق.

وهكذا يبهت الضوء تدريجيًا دون أن يلاحظ أحد متى بدأ ذلك بالضبط.

لكن خلف هذا النمط غالبًا قصة أعمق.

فليس كل تشاؤم اختيارًا واعيًا، بل قد يكون نتيجة تجارب سابقة، أو خيبات متكررة، أو بيئة لم تُشجّع على طرق مفاتيح أسرار التفاؤل والنجاح.

ومع مرور الوقت، يتحول الحذر الطبيعي إلى توقّع دائم للأسوأ، وكأن العقل يحاول أن يحمي نفسه عبر الاستعداد لكل احتمال سلبي.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل هذا الأسلوب ثابت لا يتغير؟ الحقيقة أن الفكر ليس شيئًا جامدًا، بل هو قابل للتشكّل مع الوقت والتجربة.

فكما يمكن للإنسان أن يتعلم الحذر، يمكنه أيضًا أن يتعلم رؤية الصورة بشكل أوسع، وأن يترك مساحة للاحتمالات بدل الاكتفاء بحكم واحد نهائي.

ليس المطلوب إنكار الصعوبات أو تجاهل الواقع، بل المطلوب أن نكون أكثر توازنًا في النظر إليه.

أن نعترف بوجود العقبات دون أن نحكم على الطريق كله بالفشل، وأن نميّز بين الخوف الحقيقي وبين المبالغة في توقّع الأسوأ، وأن نترك مساحة للفكرة كي تُجرَّب قبل أن تُدان.

فالكلمات ليست مجرد وصف لما نراه، بل هي أيضًا ما يساهم في تشكيل إحساس الآخرين بما يمكن أن يحدث.

ومن يعتاد إغلاق الأبواب في حديثه، قد يلاحظ أن الأبواب حوله بدأت تضيق تدريجيًا، حتى لو لم يتغير شيء في الواقع نفسه.

في الختام

تبقى الحياة أوسع من أي حكم سريع أو فكرة واحدة. وكلما تعلّمنا أن نرى الاحتمالات بدل أن نغلقها، وأن نمنح الأمور وقتها لتتضح، أصبح الطريق أكثر هدوءًا ووضوحًا. فالأمل لا يعني تجاهل الواقع، بل يعني الإيمان بأن ما لم يتضح اليوم قد يحمل غدًا معنى أجمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى