
كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
ثَمَّةَ طرقٌ في التاريخ لا تُقاس بطولها على الخرائط، بل بما استنزفته من أعمار البشر، وما تراكم فوق ترابها من دعواتٍ وخُطا ولهفةٍ لا تخبو، ومن بين تلك الطرق المدهشة يبرز «طريق الحج الإفريقي»، ذلك الدرب الطويل الذي كان يسلكه مسلمو وسط وغرب إفريقيا قاصدين مكة، في رحلةٍ شاقة تمتد قرابة سبعة آلاف كيلومتر، يخرج إليها الإنسان وكأنه يغادر حياته القديمة إلى حياة أخرى لا يعود منها كما كان.
لم يكن الحج في تلك الأزمنة رحلة عابرة تُنجز في أيام معدودة، بل كان مشروعًا إنسانيًا بالغ القسوة والعظمة معًا، كان الحاج يودّع أهله قبل موسم الحج بعام كامل أو يزيد، ثم يمضي سيرًا على قدميه عبر الصحارى والسهول والقرى المجهولة، يحمل في صدره يقينًا هائلًا بأن في نهاية هذا العناء بيتًا تهفو إليه الأرواح قبل الأجساد.
وكانت معضلة الزاد من أعقد ما يواجهه أولئك الحجاج؛ إذ كيف لإنسان أن يحمل مؤونته لشهور طويلة وهو يقطع هذه المسافات المترامية؟ ولهذا ابتكروا وسيلتهم الخاصة في التكيّف مع الطريق؛ فكان الحاج يصحب معه قطيعًا من البقر أو الجاموس أو الماعز، يقتات من ألبانها، ويتغذى عليها أثناء الرحلة، فتتحول الماشية إلى زادٍ حيّ يرافقه عبر السهول الممتدة والقفار الخالية. فإذا بلغ ساحل البحر الأحمر، وبدا له الميناء الذي سيعبر منه نحو الأراضي المقدسة، باع ما بقي معه من الماشية، وجعل ثمنها نفقة للحج وطريق العودة.
ومع قسوة الطريق، لم يكن العالم الإسلامي يومها يترك الحجيج لمصيرهم في الفلاة. فقد انتشرت على امتداد طرق الحج الأسبلة، والخانات، والنُّزُل، والآبار، التي شيدها السلاطين وأهل الخير لخدمة العابرين إلى مكة وكانت تلك المحطات الصغيرة أشبه بومضات رحمة وسط بحرٍ طويل من العناء؛ يجد فيها المسافر ماءً يطفئ ظمأه، أو ظلًا يقيه وهج الطريق، أو لقمة تعينه على مواصلة المسير.
ومع ذلك كله، وظل الحج رحلة تستنزف من أعمار الناس سنوات كاملة؛ سنة للذهاب، وأخرى للإياب، وربما امتدت الرحلة أكثر من ذلك إن اختار الحاج المجاورة في مكة زمنًا، أو مرّ في طريقه بحواضر المسلمين الكبرى؛ كالقاهرة ودمشق والقيروان، فيجلس في مساجدها، ويحضر حلقات العلم فيها، ثم يعود إلى بلاده وقد حمل في صدره ما هو أكبر من ذكريات الحج وحدها؛ فقد كانت تلك الرحلة الطويلة تُورث الإنسان نورًا داخليًا لا تصنعه الحياة العابرة.
لقد كان أولئك الحجاج يعودون بأقدامٍ أنهكها الطريق، لكن بأرواحٍ أكثر اتساعًا ونضجًا، وكانت الرحلة الطويلة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ فالحج لم يكن انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل عبورًا عميقًا نحو معنى آخر للإيمان والصبر والانتماء إلى أمةٍ كانت طرقها الطويلة تربط بين القلوب قبل أن تربط بين البلدان.
- في المملكة العربية السعودية.. الحاجُ للعبادة.. والوطنُ لشرفِ الخدمة
- رسائل من منى.. إرثٌ راسخ وقيمٌ خالدة في خدمة الإسلام والمسلمين
- أجواء شديدة الحرارة في المشاعر المقدسة.. والمملكة تواصل جهودها العظيمة لخدمة ضيوف الرحمن
- الفيفي يعقد قرانه في محافظة فيفاء
- يوم عرفة… يوم الرحمات ومغفرة الذنوب



