
في اللحظة التي يعترف فيها الإنسان بأنه مضطرب
ولا يفهم يكون قد خطا أول خطوة في طريق طويل.
نحو المصالحة مع ذاته فالاضطراب ليس ظلاً ثقيلاً كما يظن البعض ولا وصمة تُخفى خلف قناع الصلابة بل هو حالة إنسانية رقيقة تشبه رعشة الوعي حين يطرق باب القلب مطالبًا بإعادة ترتيب الداخل
الاضطراب في جوهره ليس سقوطًا بل انتفاضة صامتة وليس ضعفًا بل إشعارٌ داخلي بأن هناك شيئًا لم يعد صالحًا للبقاء كما هو
الاضطراب:
لحظة تكشفك لنفسك
يصل الإنسان أحيانًا إلى مفترق طرق بين ما يريده وما يقدر عليه بين ما يؤمن به وما يفرضه الواقع بين ما يشعر به وما يُنتظر منه وفي هذا التباين تنشأ ارتجافة دقيقة يتقاطع فيها العقل مع القلب وتبرز علامة اسمها: اضطراب.
إنه الصوت الذي يهمس:
“قِف هناك شيء
لا يستريح فيك”
إنه تنبيه الوعي
لا انهيارَه
إنه بداية الحكاية
لا نهايتها
حين لا أفهم نفسي، كيف أفهم الآخرين؟
الكثير من الناس يشكون من أن أحدًا لا يفهمهم، بينما الحقيقة أنهم لم يجرّبوا فهم أنفسهم بعد.
لم يمنحوا مشاعرهم اسمًا… ولا خوفهم اعترافًا… ولا انكسارهم فرصة للحديث.
الفهم يبدأ من الداخل؛ من لحظة مواجهةٍ صادقة يقول فيها الإنسان لنفسه:
“أنا لست بخير… وأحتاج أن أعرف لماذا.”
وحين نؤجّل هذه المواجهة، تتخذ الحياة طابعًا ضبابيًا: علاقات مشوّشة، قرارات متسرعة، وخسائر لا نعرف سببها. فكيف نبني مستقبلًا واضحًا بعقل مضطرب؟ وكيف نُقيم علاقات ناضجة ونحن لا نعرف ماذا نريد منها؟
لماذا نضطرب؟
الاضطراب ليس وحيًا هابطًا من مجهول؛ إنه نتيجة أحداث تراكمت، ومشاعر كُتمت، وأفكار لم تجد طريقها للبوح.
وغالبًا ما يولد الاضطراب من:
تناقض القيم مع الواقع.
الضغوط التي لا تجد متنفسًا.
العطاء المفرط على حساب الذات.
الخوف من الفقد، من الرفض، من أن نخذل أنفسنا.
السعي لإرضاء الجميع حتى نخسر أنفسنا.
تجاهل هذه الأسباب يشبه تغطية جرح ينزف بابتسامة مزيفة.
والوعي بها هو نصف الطريق نحو السلام الداخلي.
كيف نتعامل مع الاضطراب بوعي؟
أولًا: التخفّف من جلد الذات أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يعاقبها لأنه متعب.
التوازن لا يأتي بالقسوة، بل بالفهم.
ثانيًا: تسمية المشاعر
أن تقول “أنا خائف” أو “أنا مُنهك” ليست ضعفًا، بل قوة معرفية.
المشاعر التي نعرفها يمكن احتواؤها…
أما التي نتجاهلها فتتحول إلى طوفان.
ثالثًا: اختيار
من نبوح له
ليس كل مستمع أهلًا لسماع وجعك.
ابحث عمّن يفهم لا عمّن يحكم،
عمّن يتعامل مع الكلام كمسؤولية لا كفضول.
رابعًا: إعطاء الوقت حقه النضج لا يأتي بالعجلة، والطمأنينة ليست قرارًا لحظيًا.
الإنسان يحتاج إلى مساحة ليعيد ترتيب أفكاره وملامحه وقلبه.
الاضطراب… مرحلة لا هوية
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان حين يختزل نفسه في لحظة تعب.
أنت لست مضطربًا…
أنت تمرّ باضطراب.
كما تمرّ الفصول على الأشجار، وتبقى الأشجار هي الأشجار مهما تعرّت في الشتاء.
هذه المرحلة، وإن بدت موجعة، هي غالبًا ما يعيد صياغة الإنسان من الداخل:
يزيد بصيرته، يطهر علاقاته، يرشّح أولوياته، ويعيده أكثر صدقًا مع ذاته.
خاتمة: ما بعد الاضطراب
إن قولك: “أنا مضطرب ولا أفهم” ليس انكسارًا… بل إعلان شجاع بأنك بدأت ترى نفسك.
فالوعي يبدأ من الاعتراف، والسكون يولد من الفهم،
والنضج يولد من المرور عبر الأسئلة الثقيلة لا من تجاهلها.
ما بعد الاضطراب، يخرج الإنسان أكثر وضوحًا،
أكثر معرفةً بذاته،
أكثر امتلاءً بالسكينة
وأقرب إلى حقيقة حياته.
- مطار المستقبل ينهض في قلب الرياض
- حين يضيء الشعر الوجدان
- متحف هذيل التراثي يستقبل وفد “نجوم السياحة” في زيارة تعكس عمق الشراكة بين التراث والسياحة
- مساحة تُلهم… ومواهب تستحق الفخر
- أمير جازان يستقبل المدير العام للتعليم بالمنطقة



