الرهـان الأمريكي وصراع الديكة

د. خالد محمد باطرفي
خلال فترة احتلال الكويت الشقيقة، كان مصرفي كويتي، تم تعيينه في قسم الاستثمار في البنك الأهلي بعد الغزو، يزورني كل صباح في مكتبي لمتابعة المستجدات، بصفتي مساعد مدير العلاقات العامة والإعلام، مسؤولًا عن رصد الصحف الأجنبية، خاصة البريطانية والأمريكية، وكاتبًا سياسيًا في صحيفة المدينة. كان قلقه يصل إلى حافة اليأس، خاصةً وهو المتابع للإعلام العراقي وحديثه الواثق عن استقرار الأوضاع واستدامتها. وكنت أعطيه شحنة تفاؤل من وحي المعلومة الأدق والتحليل السياسي.
جاءني مرة وقد بلغ منه اليأس مبلغه، بعد خبر بثّه الإعلام الصدّامي عن مشروع خط حديدي بين البصرة والكويت. فقلت له مطمئنًا: أخي الحبيب، لو كانت الحرب كلامًا لاستعمر “الثورجيون” العالم كله. سيقولون لك أي شيء ليقنعوك أن الأمر منتهٍ، ويطمئنوا شعبهم وذيولهم أنهم منتصرون.
مرت الأيام، وتجاوزنا قرابة عام، ودخلنا حرب التحرير، وانتهى كل شيء في أيام. تهاوت أكاذيب وزير إعلام العراق محمد سعيد الصحاف، وثقته المصطنعة، وشتائمه النارية للخصوم. وعادت الكويت لأهلها، ووقّع المعتدون وثيقة الاستسلام والانصياع لإرادة العدل والقانون.
تذكرت هذا الحوار عندما سألني اليوم صديقي رجل الأعمال عن مصير الحرب في اليوم التالي، واستنصحني في استثماراته العقارية الهابطة في دبي، وشحناته البحرية المجمدة في ميناء جبل علي.
قلت له إنني لست اقتصاديًا، فهو في هذا أدرى، ولكنني كمحلل سياسي أتوقع نهاية قريبة للحرب وعودةً لأوضاع ما قبلها. ولو كنت مكانه، وليس لدي سبب ملح للبيع بخسارة، لانتظرت بضعة أسابيع. ولو كانت لدي سيولة لاشتريت اليوم، والأسعار نازلة؛ فمهما عادت إليه بعدها ستكون أعلى.
تفاؤلي مبني على أسباب وخبرات سابقة ومنطق بسيط: القوي يكسب الضعيف. فالذي يجري اليوم هو صراع ديكة ثلاث. لا نملك أيًّا منها، ولم نُستشر في معركتها، وليس لنا دور في اختيار المنتصر. ولكننا، من مقاعد المتفرجين، نستطيع بحكم المعرفة والخبرة الطويلة أن نتنبأ بالفائز فنراهن عليه.
وبعد 47 عامًا مع الديك الإيراني، و70 عامًا مع الإسرائيلي، و90 عامًا مع الأمريكي، أستطيع، بثقة، أن أختار الأخير؛ فهو الأقدر على الكسب، والوحيد الذي لم أخض معه حربًا، ولم أجد منه، رغم كل عيوبه، إلا المصلحة.
وعليه، أرى أن المعركة ستنتهي قريبًا؛ فهذه طبيعة النار، تتحول بعد الاشتعال إلى رماد. والمتصارعون، كما العالم، لا يحتملون حربًا طويلة. ولأن مصلحة بلادي فوق كل اعتبار، فقد اخترت الرهان الأضمن والأكثر فائدة. والشريك المفيد يتقدم دومًا على غيره. وقد راهن على بقائي ومصالحه معي منذ عام 1933، رغم خلافاتنا السياسية، وهي غالبًا دفاعًا عن مصالح الأشقاء وحقوقهم، فلمَ لا أراهن اليوم عليه؟
بدا أنه اقتنع، واطمأن إلى تفاؤلي، ووافقني على الرهان. وعدت إلى حسابي في «إكس» وأصدقائي في المجالس، من المترددين والمتحيرين، لأجادل وأشرح من جديد.
واليوم، وبعد انكسار طهران، والهدنة المؤقتة، ووصول الحليف الباكستاني إلى خطوط المواجهة في المنطقة الشرقية، وفرض الحصار البحري الأمريكي على إيران، مع التهديد بآخر على الأجواء، بدا أن رهاني أصبح اليوم أقوى، وأن غدًا لناظره قريب.
- كسرة النفس على نقطة الألم
- من بيش… حين يُزفّ الفرح على هيئة وطن
- سمو ولي العهد يرأس جلسة مجلس الوزراء في جدة.
- في السعودية… الكرامة واقع والإنسان أولًا
- أمير جازان يوجه باعتماد مسار تمكين واستدامة مشروع مركز تطوير البن السعودي بالمنطقة



