التميّز السعودي في مواجهة التحديات (9)

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
د. علي بن يحيى بن جابر الفيفي
الخصوصية السعودية على المستوى العالمي
ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني
الموقف السعودي الحازم في مكافحة التطرف والغلو ، ومحاربة الإرهاب أيّاً كان مصدره!.
المملكة العربية السعودية هي قبلة المسلمين ، ومهوى أفئدتهم ، ومحطُّ أنظارهم! ، وهي قدوتهم التي يثقون في ولاة أمرها ، ويقتدون بعلمائها ، ويسيرون على نهجها المستمدّ من نصوص الكتاب العزيز ، والسنّة المطهَّرة ، وسير سلف الأمة الصالحين ، الذين أفنوا أعمارهم في طلب العلم النافع ، والعمل الصالح ؛ ليحفظوا للأمة دينها ، ويردوا عنه عادية أهل الزيغ والضلال ، الذين يُحرِّفون الدين الحنيف ، ويُشوِّهون صورة الإسلام والمسلمين بأهوائهم الضالَّة ، وآرائهم الفاسدة ، ومعتقداتهم المنحرفة عن جوهر الدين وسماحته ورحمته ووسطيته…
إن ديننا الحنيف هو أغلى ما نملك ، وأحق ما عنه ندافع! .. فهو دين الرحمة والتسامح ، والوسطية والاعتدال ، كما أنه دين العزّة والقوة ، والصبر والثبات ، والشجاعة والإقدام.. ولكن كل ذلك لا يُعلم إلا بميزان الشرع المطهًّر ، وبعلم وقرار أولي الأحلام والنُّهى ، أهل الحلِّ والعقد ، من الأمراء والعلماء ، فالحاكم الناصح : خبير ومطلع على أسرار ومغيِّبات ، فيرى ويعلم مصالح ومفاسد ومآلات لا يراها غيره!. والعالم الصالح : تقيٌّ في ديانته ، راسخ في علمه! ، له نور وفرقانٌ من ربِّه بما يبذله من نصح واجتهاد فيما يرضي الله عزوجل.
ومن هذا المنطلق أخذت المملكة العربية السعودية على عاتقها مكافحة أفكار التطرف والغلو ، ومحاربة الفئات الضالّة ، والجماعات المنحرفة التي تتبنى أفكاراً تخالف منهج الإسلام وسماحته ووسطيته..
إن مشكلة التشدّد والغلو والتطرف هي من أخطر القضايا التي تُشَوِّه الإسلام كدين!،
وتُضرُّ بالمسلمين كأمة ومجتمعات! ، وهي من أعقد القضايا ذات البعد الدولي والإنساني ، فهي قضية ذات أبعاد مختلفة ، وأضرار متعدية ومتنوعة ، بل هي سبب هلاك وإهلاك ، فأهل التشدّد والغلو يُهْلِكون أنفسهم بغلوهم وتشددهم! ، فهم في حروب وعداوات مع كل من حولهم! ، وهم يُهلكون الحرث والنسل ، فيقتلون الأنفس المعصومة! ، وينتهكون الأعراض المصونة! ، ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين!. بل إنهم يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان!.. فشرّهم على الإسلام والمسلمين عظيم ، وخطرهم جسيم ، فكم جرُّوا على الأمة من ويلات! ، وكم أوقعوها في مآسي ونكبات!.
لقد رأى العالم أجمع ما فعله أهل التشدد والغلو بالمسلمين في أقدس بقاع الأرض على الإطلاق عندما هجموا على الرُّكَّعِ السجود في بيت الله الحرام في غرة شهر الله المحرم عام 1400ه ، لقد أرادوا السيطرة على قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم ؛ لينشروا فكرهم الضالّ ، ويدعوا المسلمين إلى عقيدتهم المنحرفة!.. ولكن الله عزوجل ردَّ كيهم في نحورهم ، وأدار الدائرة عليهم ، وبقي بيت الله معظًّماً مصوناً يصونه أهل العقيدة الصافية ، والتوحيد الخالص لله رب العالمين.
ولقد رأى المسلمون جميعاً النتائج والآثار التي ترتبت على أحداث 11 سبتمبر 2001م الموافق الثلاثاء 23 جمادى الآخرة 1422ه ، وهو الهجوم الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية وتبناه تنظيم القاعدة الإرهابي!.
إن ما أقدم عليه تنظيم القاعدة الإرهابي قد أعطى الغرب الذريعة الكاملة لفعل ما يراه رداًّ مناسباً على ذلك الحدث الكبير! ، وجعل العالم العربي والإسلامي تحت طائلة الاتهام بوجود المنظمات الإرهابية المتطرفة!.
فكانت أول الردود الغربية هي غزو أفغانستان المنهكة بالحروب منذ عدة عقود!.. ثم غزو العراق الشقيق ، وإسقاط نظامه ! ، وتمزيق وحدته الاجتماعية! وتسريح جيشه! ، وتفكيك جميع أجهزة الدولة ، ثم تسليمه لإيران المتشبِّعة بأفكار الإرهاب والتطرف والغلو لتعبث بالعراق وشعبه كما تشاء!!.
إن أفكار التطرف والتشدد والغلو هي التي جعلت من إيران دولة مغذية للإرهاب! ، وداعمة للمليشيات! ، ومؤذيةً لمحيطها العربي والإقليمي.. فالثورة الخمينية التي نجحت في منتصف ربيع الأول 1399ه الموافق 11 فبراير 1979م هي ثورة تحمل أفكاراً ضالّة ، وعقائد منحرفة! ، فهي تشوهُ صورة الإسلام والمسلمين ، وتعادي من يخالف أفكارها عداءً شديداً!.
إن دين الله عزوجل بريء براءة تامَّة من أفكار التشدد والغلو والتطرف والإرهاب ، فهو دين الرحمة والسلام ، والعدل والإنصاف ، والوسطية المستمدّة من نصوصه المُحْكَمَة وفق فهم سلف الأمة الصالح ، وعلمائها الأجلَّاء ، فقد نهى الله عز وجل عن الغلو والتشدد في محكم التنزيل فقال تعالى : (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ …)).
وقال تعالى: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ )). فالغلو في الدين هو قول على الله بغير الحق! ، وهو ضلال مبين ، واتباع لأهواء الذين ضلُّوا عن سواء السبيل.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة وقائدها الذي يجب عليها طاعته واتباع منهجه ، وقد حذَّر من الغلو والتشدد تحذيراً شديداً في عدَّة أحاديث ، وفي أكثر من مناسبة ، فعن عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « هلك المتنطعون » قالها ثلاثاً. رواه مسلم وغيره.
والمتنطِّعون هم : أهل التعمّق والغلو الذين يجاوزون في أقوالهم وأفعالهم حد الاعتدال الشرعي الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدين يُسْرٌ، ولن يشادَّ الدِّين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجَة » رواه البخاري.
والنصوص الشرعية ، وأقوال السلف في ذمّ الغلو والتشدد متكاثرة جداًّ ، وهي تُبيِّنُ أن للغلو والتشدد آثاراً سلبية على الدين والمجتمع ، وعلى منهج الشريعة ومقاصدها ، فمن ذلك:
أن الغلوَّ سبب الهلاك والضلال ؛ لأنه يؤدي إلى الفرقة وسفك الدماء ، وتشويه الدِّين.
وأن التشدد يخالف مقصد اليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية.
كما تدل النصوص على أن الاعتدال هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
الكرام رضوان الله عليه ، وهو المنهج الذي يجب على كل مسلم أن يسير عليه ، كما قال تعالى: (( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…)) . وقال تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ…)) .
وقال تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا )). وليس المقصود هنا سرد الأدلة أو استقصاؤها في بيان خطر التطرف والغلو ؛ وإنما هي إشارة لتوضيح الفكرة.
لقد قامت المملكة العربية السعودية بمواجهة أفكار التطرف والتشدد والغلو بالعلم والفهم ، وبالحزم والقوة ، إيماناً منها بأن أفكار التطرف والغلو مسيئة للدين الإسلامي في صورته وصفائه ونقائه ، كما أنها مضرة بالمجتمع الإنساني في أمنه واستقراره ، وحيويته وتعايشه..
ومما يدل على مواجهة المملكة لأفكار التطرف والتشدد والغلو أن منهجها الذي تسير عليه هو منهج أهل السنة والجماعة المستمد من النصوص الشرعية بفهم سلف الأمة الصالح .
كما أنها واجهت أفكار التطرف والغلو برؤى مؤسسية تجمع بين النصح والتوجيه ، والبيان والتوضيح ، والرد على الشُّبَهِ ودحضها بالدليل والبرهان من جهة ، وبين الرصد والتتبع والردع الحازم من جهة أخرى. وسأشير هنا إلى بعض تلك الجهود التي قامت بها المملكة في مواجهة أفكار التطرف والغلو:
أولاً: إنشاء مركز الإصلاح والتأهيل بوزارة الداخلية.
هذا المركز هو مؤسسة إصلاحية ، تعنى بإعادة التأهيل والدمج للمتطرفين ، وفق طرق علمية منهجية متخصصة ، تستند إلى دستور المملكة المتمثّل في الشريعة الإسلامية ، وإلى القوانين الدولية ، ومبادئ حقوق الإنسان. فهو يقوم على الإصلاح ، والتأهيل، والرعاية. فرؤية المركز التي يتبناها هي : الريادة في عمليات المعالجة الفكرية ، وإعادة التأهيل والدمج المُعَزِّزَة لمنظومة الأمن الوطني وفق المنظور الإسلامي والمبادئ الإنسانية.
ورسالته هي: إعادة التأهيل والدمج ، وتعزيز الانتماء الوطني لمن وقع في التطرف والإرهاب من خلال برامج علمية وعملية متخصصة ، والإسهام في جهود وقاية المجتمع من الانحراف الفكري.
وتقوم خطة المركز الإستراتيجية على مرتكزات أساسية شكَّلت الإطار العام لعمل المركز ، ومن خلال هذا الإطار يتم تنفيذ برامج المركز وتحسينها ، وهذه المرتكزات هي :
- الإلتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية .
- المواجهة الفكرية للتطرف .
- صيانة الأمن الوطني .
- التكامل المجتمعي .
- التعاون مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية .
- التواكب مع المتغيرات .
- عودة المستفيدين للحياة الطبيعية .
- تعزيز المواجهة الدولية لظاهرة الإرهاب.
وأما الأهداف الاستراتيجية التي يسعى المركز إلى تحقيقها فتتمثل في الآتي :
- تعزيز الأمن الفكري .
- ترسيخ الاعتدال الفكري والانتماء الوطني .
- البناء المعرفي والسلوكي للمستفيدين من برامج المركز .
- تعزيز فرص اندماج المستفيدين في المجتمع .
- بناء المعرفة والممارسة الأفضل بقضايا التطرف الفكري .
ثانياً: إنشاء المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف .
وهو مركز عالمي مهمته مكافحة التطرف واجتثاث جذوره ، والتصدي له ، وتعزيز
التسامح والتعايش بين شعوب العالم .
وقد أُعلن عن تأسيسه في يوم الأحد 24 شعبان 1438ه الموافق 21 مايو 2017م
خلال انعقاد القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض ، ودشنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الدول العربية والإسلامية ، ويُعد أول مركز مهتم بثقافة الاعتدال الفكري ، حيث يتم من خلاله رصد وتحليل الفكر المتطرف ، والتفاعل المباشر والسريع مع نتائج الرصد والتحليل ، وذلك بالتعاون مع شبكات إقليمية ودولية.. وأبرز المهام المناطة بهذا المركز هي :
1. محاربة الغلو والتطرف فكريًا وإعلاميًا ورقميًا ، وتعزيز التعايش والتسامح بين الشعوب.
2. ترسيخ المبادئ الإسلامية المعتدلة وبيانها ونشرها عالمياً .
3. رصد وتحليل نشاطات التطرف والغلو ، والوقاية منها ، والتوعية بأخطارها على كافة المجتمعات ، والشراكة في مواجهة فكر التطرف والغلو.
ومما يحسب للمملكة أنها أنشأت هذا المركز العالمي خلال 30 يومًا فقط.
ثانياً : إنشاء التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب.
في إطار جهود مواجهة خطر الإرهاب الذي تعده المملكة تهديدًا للسلام والاستقرار في جميع أنحاء العالم ، بادرت المملكة في ربيع الأول 1437ه الموافق 15 ديسمبر 2015م بإنشاء التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب ، والذي يضم 43 دولة عربية وإسلامية ، وذلك بهدف توحيد جهود الدول الإسلامية في مواجهة الإرهاب والتطرف ، ومحاولة التصدي لأضراره وأشراره.
وهذا التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب له أهداف استراتيجية يسعى لتحقيقها ، من أهمها :
- بذل جهود فكرية وتعليمية تُفَنِّدُ أطروحات الفكر الإرهابي ، وتُبرز المبادئ والقيم الإسلامية السمحة.
- تنسيق خطاب إعلامي مشترك يوعي الرأي العام بمخاطر الإرهاب ، ويتصدى للدعاية الإرهابية.
- اتخاذ تدابير فاعلة تُعزز عمليات الوقاية والاكتشاف ، والحد من عمليات تمويل الإرهاب.
- تنسيق دعم عسكري وإغاثي للدول الأعضاء في التحالف ؛ لتمكينها من هزيمة الجماعات الإرهابية المسلحة ، وللتَّخفيف من معاناة السكان الذين يعانون من أخطار وجرائم الجماعات المسلَّحة.
إن التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي أنشأته المملكة هو دليل عملي واضح على الجهود الفاعلة والمؤثرة التي تبذلها المملكة في محاربة الإرهاب والتصدي للجماعات الإرهابية التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين.
كما أنه عمل عظيم وجبَّار يتكامل مع غيره من الجهود العظيمة التي تقوم بها المملكة خدمة للدين الحنيف ، وصيانة للمجتمعات الإسلامية من أفكار التطرف والتشدد والغلو، وتعاوناً مع الدول والجهات التي تتصدَّى لأفكار التطرف والغلو ، وتحارب الإرهاب بجميع صوره وأشكاله ، وأيًّا كان مصدره .
وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى
الثلاثاء الموافق 26 شوال 1447ه.
- حينما أشرقت شمسُ الصباح
- الرهـان الأمريكي وصراع الديكة
- علاج 50 يتيماً ويتيمة مجاناً بأضم ضمن مبادرة “ابتسم” لصحة الفم والأسنان
- التميّز السعودي في مواجهة التحديات (9)
- أمطار غزيرة تهطل على محافظة فيفاء وتُنعش الأجواء



