
بقلم :احمد بن هبة بن علي هادي
صحيفة بصمة اون لاين
قد تلمحه في غمرة الزحام رجلاً وقوراً، تمشي السكينة في ركابه، ويتوشح الهدوء في مجلسه، لا تتبعه الأبصار صخباً، ولا تشرئب إليه الأعناق فضولاً، لكنك إن اقتربت منه، وأصغيت إلى حديثه، أدركت أنك لا تقف أمام عابر سبيل، بل أمام كتاب زاخر بخبرات السنين، ومخطوطة ثمينة كُتبت بمداد البذل والتضحية.
فالإنسان الحق ليس من ترتفع باسمه الهتافات في المحافل الزائفة، ولا من كانت قيمته رهينة كرسي يزول، أو رتبة تنتهي بانتهاء الخدمة. بل هو ذلك النفس الأبي الذي ظل متمسكاً بإنسانيته، محتفظاً بنقاء جوهره قبل الوظيفة وبعدها، وهو الأصيل الذي لم تتبدل شيمه حين ترجّل عن صهوة منصبه، ولم تخمد جذوة روحه حين هدأت من حوله ضوضاء الأعمال.
لم تكن الوظيفة في نظره سوى ثوب مستعار، فلما خلعه ظهر للناس جوهره الحقيقي؛ نبيلاً كما كان، بل أكثر إشراقاً، يفيض خيراً بأسلوب راقٍ، ويسدي النصح برفق دون استعلاء، ويمد يد العون في خفاء دون مَنٍّ أو رياء، كالغيث الصيب يروي الأرض العطشى ولا ينتظر شكراً أو ثناءً.
ولأن التقاعد ليس غياب لشمس العطاء، بل انطلاقٌ نحو رسالة أعمق وأرحب، فقد انتقل من حدود المنصب إلى فضاءات الإنسانية الرحبة، حاملاً معه أثمن ما يملكه الإنسان: سعة الوقت، وقتٌ يزرع به المودة في قلوب أبنائه وأحفاده، ويمنح أسرته حضوره الدافئ الذي طالما افتقدته مشاغل الحياة.
فإذا جلس في بيته أشرقت أركانه بالطمأنينة، وإذا تحدث أصغت إليه القلوب قبل الآذان، لا رهبةً من سلطة زائلة، بل احتراماً لحكمة راسخة صقلتها تجارب الأيام. وحين يغيب، يترك فراغاً لا يملؤه سواه، لأن حضوره لم يكن مجرد وجود عابر، بل قيمة إنسانية تهتدي بها الأسرة وتستمد منها قوتها.
وما كان لهذا الأثر أن يمتد لولا أنه شيّد خلال سنوات كدحه حصناً من المآثر والمواقف النبيلة. فلم ينشغل بجمع حطام الدنيا الفاني فحسب، بل ادخر لنفسه رصيداً باقياً من صنائع المعروف، وسيرة ناصعة كبياض الفجر، وثناءً عاطراً يسكن شغاف القلوب.
ذلك الرجل الذي قد لا تعرفه العيون العابرة، تعرفه الأرواح التي لامسها صدقه وإحسانه، فتلهج له بالدعاء في جوف الليل. لا يطلب شهرةً ولا يسعى إلى ظهور، لكنه يحضر في كل أثر جميل خلّفه، وفي كل نفس مكلومة جبر خاطرها، وفي كل يد امتدت إليه فوجدت عنده العون والمساندة.
وهكذا تثبت الأيام أن المتقاعد الملهم ليس قصة تُطوى في أدراج النسيان، ولا صفحة تنتهي بانتهاء سنوات العمل، بل هو نهر خيرٍ متجدد، جاد بعطائه في شبابه، وها هو اليوم يواصل جريانه صفاءً ونقاءً، يروي القلوب بحكمته، ويغرس في النفوس معاني الوفاء والعطاء، لتكتمل هيبته الإنسانية في أجمل صورها عندما يضع الآخرون أوزارهم، ويبقى أثره حياً لا يغيب.
- الجمعية التعاونية القانونية بجازان تعقد اجتماعَي الجمعية العمومية العادية وغير العادية
- حين يتقاعد المنصب ويبقى الإنسان
- رحيل الأستاذ الفيفي بعد مسيرة تربوية حافلة بالعطاء
- جازان.. الحديث عن البيئة بلغة الجمال
- تحضيرات المونديال: «عاصفة رعدية» توقف مباراة السعودية وبورتوريكو الودية.



